أحمد محمود
حدث ذلك فى دولة مشهورة بأنها تتمتع بنظم إنشائية قوية وصديقة للبيئة، بل وتستخدم أحدث الطرق للاستفادة من مياه الأمطار.
هذه الفيضانات والظواهر الجوية المتطرفة، التى يشهدها العالم الآن، استمعت لأول مرة عن إمكان حدوثها، عام 2015 أثناء ورشة عمل بالعاصمة الألمانية برلين، دعتنى لحضورها وزارة الخارجية الألمانية، ضمن التحضيرات لقمة المناخ التى انعقدت فى باريس فى نفس العام، والتى ناشدت القمة أثناء انعقادها كافة الدول، والصناعية منها على الأخص، لتحمل مسؤولياتها تجاه هذه القضية، التى تهدد استقرار كوكب الأرض بأكمله، وأن يتعهد المجتمع الدولى فى القمة، بحصر ارتفاع درجة حرارة الأرض، وإبقائها "دون درجتين مئويتين"، قياسا بعصر ما قبل الثورة الصناعية، وبمتابعة الجهود لوقف ارتفاع الحرارة عند 1،5 درجة مئوية، ووقعت على هذا الاتفاق 194 دولة، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، التى قررت بعد التوقيع الانسحاب من الاتفاق.
ما حدث فى ألمانيا بلجيكا وعدة دول أوروبية، لم يكن حدثا متفردا، إذ غمرت المياه مساحات شاسعة من إقليم "خنان" بوسط الصين، الأسبوع الماضى، ولقى 25 شخصا على الأقل حتفهم فى مدينة "تشنغ تشو" عاصمة الإقليم، بعد أن شهدت المدينة أشد هطول للأمطار منذ 1000 عام، وذلك بحسب تصريحات خبراء الأرصاد الجوية هناك.
وقد تسببت الأمطار والفيضانات، فى إجلاء 100 ألف مواطن عن منازلهم، خشية سقوطهم ضحايا لتلك الفيضانات، واضطر الجيش الصينى لتدمير أحد السدود لتصريف مياه الفيضانات لدرء خطرها على المواطنين.
ويتوقع الخبراء أن تسقط الأمطار وتزداد الفيضانات، فى مناطق أوسع من العالم بسبب التغيرات المناخية، وارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض بمعدل 1.5 درجة عن المعدل الطبيعى بسبب الانبعاثات الناتجة عن حرق الفحم والنفط والغاز، وزيادة إنتاج ثانى أكسيد الكربون وأكسيد النيتروز، وأيضا بسبب قطع الأشجار من الغابات، والتى تساعد على تنظيم المناخ عن طريق امتصاص ثانى أكسيد الكربون من الغلاف الجوى.
وعندما يتم قطع أشجار الغابات، تزداد انبعاثات الكربون فى الغلاف الجوى، مما يزيد من تأثير الاحتباس الحرارى.
يؤكد العلماء أيضاً أن تزايد أنشطة تربية الماشية، تتسبب بشكل مفرط فى زيادة الانبعاثات الغازية، إذ تنتج الأبقار والأغنام كميات كبيرة من غاز الميثان عندما تهضم طعامها، كما أن استخدام الأسمدة التى تحتوى على النيتروجين ينتج انبعاثات أكسيد النيتروز.
كما أن الغازات المفلورة وهى مركبات الكربون الهيدروفلورية، ومركبات الكربون المشبع بالفلور، وسداسى فلوريد الكبريت، وثلاثى فلوريد النيتروجين، والتى تنتج عن مجموعة مختلفة من الأنشطة الصناعية، لها تأثير قوي فى الاحتباس الحرارى، بالرغم من أن نسبة انبعاثها عادة ما تكون قليلة، لكن تلك الانبعاثات تتسبب فى ارتفاع درجات الحرارة بشكل كبير، ويزيد تأثيرها إلى 23 ألف مرة أكثر من ثانى أكسيد الكربون.
هذه التغيرات أثرت أيضا منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، حيث أصبحت أكثر جفافا، وانتشرت حرائق الغابات فى بعض من دولها، حدث ذلك فى إحدى مناطق اليونان، كما حدث فى إحدى مناطق تركيا أيضا، وهو ما ينبئ بأن يؤثر تغير المناخ على جميع مناطق العالم، نتيجة ذوبان طبقات الجليد فى المناطق المتجمدة، وما يسببه ذلك من ارتفاع منسوب مياه البحر، الأمر الذى أدى إلى ظواهر مناخية متطرفة، وهو أمر من المتوقع أن يزداد العقود المقبلة.
ما يحدث الآن من ظواهر مناخية متطرف يوضح أمرين هامين جدا، الأول أنه مهما بلغت قدرات الدول العلمية والإنشائية، فإن ما حدث فى ألمانيا، يثبت أنه ما زالت الطبيعة أكثر قوة وقسوة، وأنه لا يمكن أن يأمنها الإنسان إذا ثارت كما حدث فى ألمانيا، وأنه على الدول أن تأخذ احتياطاتها الكاملة، مهما ظنت أنها فى مأمن من تقلبات الطبيعة، وأنه لا مناص من التعاون فيما بين الدول المتشاركة فى الموارد الطبيعية، لضمان ليس فقط كامل الاستفادة العادلة من الموارد، ولكن لضمان أمن المواطنين أيضا، وحمايتهم من غضب الطبيعة وقسوتها.
الأمر الثانى هو أن انتشار الأمراض والأوبئة، وعلى رأسها "كوفيد-19" قد لا يكون بعيدا عن مسألة الاختلال فى ظواهر الطبيعة، وزيادة الانبعاثات، والإفراط فى تربية الماشية، واستخدام العلوم الوراثية فى زيادة إنتاج اللحوم والمواد الغذائية، صحيح أن الحديث عن هذا الأمر، يجب أن يصدر عن علماء متخصصين، لكن من المهم أن توضع كل العوامل فى الحسبان، وأن تعيد الدول الكبرى النظر فى سياساتها الإنتاجية، وأن تنتهج الطريق نحو خفض الانبعاثات، وعلى رأس هذه الدول الولايات المتحدة الأمريكية، التى انسحبت من اتفاق المناخ، ما يطرح تساؤلات عن الوسائل التى تتبعها تلك الدولة فى الإنتاج، وتؤثر فى المناخ وهى تعلم ذلك وتخفيه.
أعتقد أن الفترة القادمة يجب أن تشهد مرحلة جديدة خالية من الصراعات على كوكب الأرض، مرحلة تسعى فيها الدول إلى وقف النزاعات، وأن تتوقف الدول الكبرى عن أطماعها، وإصرارها على تحقيق الأرباح الطائلة على حساب البشر، خاصة على حساب الدول النامية، وأن يدرك الجميع أن الكوكب فى خطر، وأنه إذا استمر الأمر على ما هو عليه، فقد تتحقق نبوءات أفلام السينما العالمية، تلك التى تصور دمار العالم على أيدى البشر، وهو أمر أظن أنه قد بات متوقعا فى المستقبل.