مريم عيد
رن صوت الهاتف الخلوى متواريًا، فتحت حقيبتها لتلتقطه.. كانت صديقتها تعتذر عن الموعد المحدد للقائهما نظرًا لظروف عائلية طارئة، وإصابة ابنها بوعكة صحية مباغتة، واضطرارها إلى اصطحابه مباشرة إلى الطبيب تخوفًا من الوباء المنتشر.
لا بأس أن صديقتها لم تأت، فلم يكن الأمر بحاجة إلى مزيد من المناقشات، والأخذ بالآراء، ففى رأسها الكثير من الأفكار، وما المانع أن تُصدر أحكامها بمفردها دونما استشارات قد تخطئ وقد تصيب.
تركت الهاتف إلى جوارها على الطاولة، وأخرجت زجاجة الكحول ورشت بعضًا على كلتا يديها، ثم وضعت الزجاجة إلى جانب الهاتف.
أخرجت كتيبًا صغيرًا من الورق المصقول الملون اللامع لإحدى الشركات العقارية لكومباوند سكنى يضم التصميمات، والمساحات، والملحقات، والأسعار تصفحته بعناية من جميع الأوجه حتى فرغت فوضعته على الطاولة ووضعت فوقه منفضة السجائر الخالية منها.. حمدًا لله أنها لا تُدخن، لكنها تخيلت للحظات لو أنها كانت من النوع المدخن فربما ساعدها ذلك على التركيز أكثر.
لكنها تراجعت سريعًا عن هذا الهاجس الوهمى، فما علاقة ملكات التفكير بالتدخين! منذ زمن وهى تقرأ بعض الآراء فى أنه لا ينبغى أن يظهر بطل الفيلم والذى غالبًا ما يكون شخصية محبوبة وهو يدخن عندما يمر بمشكلة أو يكون مستغرقًا فى التفكير لأن فى ذلك تشجيع للمشاهدين من المراهقين والشباب على التدخين، وكأن التدخين وسيلة لحل المشكلات أو لامتلاك حصافة، وسيادة فكرية تنفث دخانها فى الهواء.
أتى النادل، وهى تهم بإخراج كتيب آخر، وسألها عما تريد طلبه، فطلبت عصير ليمون، وكابتشينو قهوته كثيفة، قبل أن تدير وجهها وتعود إلى جلستها الأولى نظرت سريعًا إلى صورتها فى المرآة على الباب الرئيسى المفضى إلى بهو الفندق، فاطمأنت أن كل شىء على ما يرام، ثم عادت ببصرها إلى حيث كان مرماه الفسيح فى الحديقة الشبه خالية باستثناء طاولتين أصبحتا ثلاث بعد قليل.
كان ذلك عقب فترة من الإغلاق كإجراء وقائى، شخص ما يرتدى ملابس أشبه ما تكون برواد الفضاء يقوم برش الممرات والأمكنة والطاولات والمقاعد حال خلوهم.
كانت تجلس وحيدة لكنها لا تشعر بالوحدة، فى بعض الأحيان تكون الحرية هى خير جليس.. لقد رفضت الكثير من العرسان فى الماضى، وبمرور الوقت اتخذت قرارها بأن تظل بدون زواج، والداها إما كانا يوافقان على الرفض، إن لم يلحظا حدوث قبول من جهتها أو يوحيان إليها بالرفض إذا لم تكتمل المواصفات التى ترضيهم.
مر الآن عام على وفاتهما بسبب داء كورونا اللعين، توفى والدها أولاً ثم لحقت به أمها بعد 3 أشهر فقط لقد اشتركا مع البشرية بأسرها على نحوٍ ما مؤسف.
كان عدد الحضور فى جنازتيهما من الممكن عده بكل سهولة نظرًا للإجراءات الصارمة لتلك الفترة الاحترازية، والتى عفتها من عناء استقبال عدد كبير من المعزين، لكن من ناحية أخرى زادت من كم المكالمات الهاتفية، وتلقى المواساة عبر وسائل التواصل الاجتماعى رحمهما الله.
لكن القدر والظروف وضعاها فى مقام أن تحل محلهما معًا فى مسؤوليتها تجاه شقيقتها الصغرى والوحيدة، والتى على عكسها استطاعت التوصل إلى شريك الحياة المناسب.. تقدم لخطبة أختها منذ شهر، وبدأت لأول مرة تناقش مع أهله تفاصيل الحياة الجديدة.
تحاول أحيانًا أن تتقمص شخصية الأب وتفكر بمنطقه، وماذا كان عساه أن يفعل لو كان مكانها، تارة أخرى تتقمص شخصية الأم، وفى كثير من الأحيان تتمرد على ذكرى كليهما، وتتصرف من وحى ما يمليه عقلها فقط.
اقترحت أن يسكن العروسان فى كومباوند شهير تسكنه بعض قريبات العروس، وبعضٌ من صديقاتها، وهذا بالطبع يتطلب مبلغًا وقدره.
لم يلق ذلك معارضة من الأهل أو من العريس لكنهم رشحوا عدة أسماء لأكثر من كومباوند محاولةً منهم لإظهار عدم رفضهم لاقتراحها المباغت، لكنهم عادوا مرة أخرى إلى نقطة البداية فى أن العريس يمتلك بالفعل شقة أنيقة فى إحدى البنايات الحديثة، فلماذا إذًا لا يقيمون بها؟ لكنها تمسكت برأيها فى الجلسة الأولى متقمصة دور أبيها وأمها.. ربما ما مرر إليها عفويًا من تراث أبيها، وأمها الذى مازالت تتذكره فى ليالى مجئ العرسان لخطبتها أو مفاتحة أحد المعارف لهما فى الموضوع أنه "لا تنازل" فى بعض الأمور، وإلا يعد ذلك نوعًا من التفريط الرخيص، والمهين.. لكن الجميع بدعم أكبر من أهل العريس اقترحوا أن يظل الباب مفتوحًا بعض الشيئ لبعض الوقت لمناقشة أفضل الخيارات.
بدأ العريس معجبًا بشقيقتها، وكان هذا مصدر سعادة، وتأمل، وفضول بالنسبة لها، حضر بعد 4 أيام بمفرده ليلاً بعد تحديد الموعد هاتفيًا، ومعه عدة كتيبات لأكثر من مشروع عقارى، وبدأ فى توضيح مميزات، وعيوب كلاً منهم، لكنه بعد كل تلك البانورامات السكنية حبذ فى النهاية أن تريا شقته، فلربما أعجبتهما أكثر من الجميع.
لم تملك أمام أدبه، ودماثة خلقه، ودبلوماسيته سوى أن تقول له: "ربنا يسهل" ربما حملت كلماتها أملاً فضفاضًا يناسب جميع الاحتمالات.
يوم أن اصطحب العريس المنتظر الشقيقتان لمعاينة شقته فى صباح أحد الأيام، أحضر معه هدية صغيرة، وكان مهذبًا ولا ينسى أن يفسح لهما الطريق دائمًا، ويقدم الأخت الكبرى أولاً على نفسه ثم الصغرى، فتح أمامهما باب السيارة الخلفى فركبت الكبرى، وجلست الصغرى على المقعد المجاور له.
هاتفها المحمول يصدر تنبيهًا، كانت رسالة من إحدى صديقاتها تحمل رقم حساب بنكى للتبرع بشراء كراتين رمضان المقبل، شعرت بالارتياح لأن ذلك سيوفر عليها عناء السؤال عن الجمعيات، والأفراد، والمؤسسات الذين يقومون بهذا النشاط.. بالتأكيد تلك الكرتونة لن تكون أمراً جانبياً لهؤلاء، لكنها ستكون مصدر يعتمد عليه لتدبير احتياجات عدة أيام، وستشعرهم بسعادة، وستدخل الفرحة على قلوبهم.. كم هى نسبية تلك السعادة!
تعالى صوت "عمرو دياب"، ونغمات أغنياته المتفائلة بالحياة، والإطراء على الحبيبة.. كانت شقيقتها بالطبع فى كامل أناقتها، وفى أبهى طلاتها، ومكياجها صباحياً هادئاً، لكن الجميع كانوا يرتدون الكمامات، وبدا إحساسهم بمظهرهم كأنهم عصابة ذاهبة للسطو على أحد الأهداف القريبة، فكان هذا مصدرًا لضحكاتهم بوحىٍ من الظروف الكونية الطارئة.
كان جميع السائرين فى الشوارع، أو من يستقلون العربات أو المواصلات العامة يرتدون كمامة إلا فيما ندر.. بعد أن خرجوا من المصعد الكهربائى، فتح باب الشقة ثم دعاهما للدخول أولاً.. كان المكان يبعث على الراحة، والهدوء، وإعادة التفكير فى أنه سيكون محل إقامة مستقبلى لأجيال جديدة مقبلة ستكون هى أمًا ثانية لهم.
كانت تلحظ أن عينى العروسين بها لمعة جديدة من نوعٍ خاص تنم عن سعادة قلبية، وبهجة داخلية، ربما اختبرتها قبلاً كمشاعر فقط، ولكن ليس كعلاقة عاطفية، فلم يكن لها يومًا علاقة بأحد تبادله الغرام، ربما بعض مشاعر الإعجاب فقط ببعض المشاهير أو بعض الأشخاص، لكن ليس كل إعجاب حبًا.
كانت بين الفينة والأخرى تضع بعضًا من بخات الكحول على يديها فرغت الآن من قراءة جميع الكتيبات، واكتملت لديها صورة ذهنية عن أفضل الخيارات، لكن ربما استقر رأيها بعيدًا عنهم، أخرجت من حقيبة يدها كمامة، نزعت عنها غلافها الشفاف، الذى سرعان ما تطاير بعيدًا عنها، لكن التقطه على الفور أحد عمال النظافة الذى يشرف على نظافة المكان تركت الحساب مع الفاتورة، وبقشيشًا مناسبًا فى حافظة الفاتورة الجلدية السوداء ثم تركتها على الطاولة.