البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
قديمًا كان تعمير الصحراء، واستصلاح الأراضى مرتبطين بالعزلة بأن ينتقل الشاب أو الخريج الجديد بعد حصوله على قطعة أرض إلى محل إقامته الجديد بمعزلٍ عن أهله، وأصدقائه.

فإذا فكروا فى زيارة صديقهم الذى قرر العزلة، فكل ما كان باستطاعة مكانه المنعزل أن يقدمه لهم هو أن يظل مُرحباً بهم وقتما حلوا.

أما فى الجمهورية الجديدة التى سيتم إعلانها فى 2021، وبعد مرور سبع سنوات فقط على تولى الرئيس السيسى مقاليد الأمور فى 2014، أصبحت الأماكن المنعزلة والصحراوات المصرية ليست بانتظار الزائرين فقط، ولكنها كانت على موعد مع العمران، والمدنية، ووجه الحياة الحديثة التى يتوفر بها كل شىء.

إن افتتاح العاصمة الإدارية الجديدة هذا العام سيكون بمثابة إعلان للجمهورية الجديدة .. سيكون هناك تغيير فى الرؤى، والاتجاهات، والمقاصد التى تعودنا عليها، فإذا كان مقصد جميع المصريين من الدلتا، والصعيد، والشرق، والغرب هو مدينة القاهرة حيث كل المصالح، والوزارات، والبرلمان، فقد آن الآوان لنقول لهم: "فلتغير وجهتك إلى الجوار القريب"، بدلًا من أن تضيق على نفسك، وتخنق عاصمتك المحبوبة.

فلو كنت من سكان القاهرة، أو من غير سكان القاهرة كنت ستسهلك أضعاف هذا الوقت لو ظللت فى القاهرة، أو ذهبت إلى موقعة "مجمع التحرير" بالتأكيد قد خامرك هذا الشعور لو انصرفت منه مع مغادرة موظفيه له فى نهاية يوم عمل، فحتى تصميم القاهرة الخديوية سينتقل إلى العاصمة الإدارية فى الحى الخامس.

لقد اخترنا سابقًا، وأجدنا اختيار بقعة غناء "القاهرة الجميلة" المنورة بأهلها التى بمرور الوقت ازدادت زحامًا، وأنهكها التكدس تاركة حولها ظهيرًا صحراويًا ممتدًا، وآفاقًا منسية، لكن الجمهورية الجديدة تمتلك "عين حورس"، تمتلك رؤية جديدة ذكية تستطيع أن تسبر أغوار الزمان، والمكان؛ وتتعامل مع عبقريتيهما المصريتين.

فرأت، وحددت، وخططت، وبنت، وعمرت مثلما اعتدنا أن نقرأ فى قصص الجان فى حكايات ألف ليلة وليلة التى تحول الصحراء إلى قصور يانعة، لكنها هنا ثمرة جهود متواصلة تحول الأحلام إلى حقائق.

فيأتى البعد الأول للجمهورية الجديدة وهو "عاصمة جديدة" متمثلاً فى "الإزاحة المكانية" إلى شرق مدينة القاهرة، ولكن تلك الإزاحة المكانية تحمل معنى رمزياً يتكرر مدلوله فى بقية أبعاد الجمهورية الجديدة، لكنها لا تظل إزاحة مكانية فقط، بل تتخطى حدود ذلك إلى "الإزاحة الرمزية" .. فالجمهورية الجديدة تحمل تغييراً كبيراً فى كافة أبعادها المتعددة.

البعد الثانى للجمهورية الجديدة يتمثل فى "الفكر الجديد" حيث تميز عهد الجمهورية الجديدة بإزاحة جماعة ظلامية ظلت جاثمة على صدور المصريين وتفكيرهم لعدة عقود، وتركت ربما "عقدة مقتل النقراشى" لدى العهود السياسية المتتالية التى هادنت الجماعة عمدًا أو تخوفًا، فكرست الجمهورية الجديدة للعلمانية بمفهومها الصحيح، ومنع استغلال الدين فى العمل السياسى بدون خطابات أتاتوركية مغالية، وفى نفس الوقت حفظت للدين أهميته، ومكانته التى طالما شغلها فى نفوس وحياة المصريين، ولذلك كان وجود مسجد الفتاح العليم، وكاتدرائية ميلاد المسيح فى موقعيهما بالعاصمة الإدارية الجديدة.

أما البعد الثالث للجمهورية الجديدة فيظهر فى "الإنجازات الجديدة" فقد اعتاد المواطنون فيما مضى على رؤية الرؤساء على فترات متباعدة أثناء افتتاح مشاريع جديدة، لكن ظهور الرئيس لافتتاح مصانع، ومشاريع جديدة أصبح متكرراً، وأمراً اعتيادياً فى الجمهورية الجديدة لم يعهده المواطنون من قبل.

فإن دل ذلك على شىء، فإنما يدل على تكريس القيادة السياسية جل اهتمامها للعمل التنموى، وعلى أن العمل كان يسير على قدم وساق فى تلك الصروح للانتهاء من إتمامها على أكمل وجه، وطبقاً للمواصفات القياسية.

"الإدارة الجديدة" هى البعد الرابع الواضح للجمهورية الجديدة، فالمتباكون، وما أكثرهم! على تكاليف إنشاء العاصمة الجديدة، والناصحون للدولة بترشيد ميزانيتها، ومقارنات لا معنى لها غمرت وسائل التواصل الاجتماعى بصور للعاصمة الإدارية الجديدة، وأخرى لفقراء.

لقد فاتهم جميعًا أن الدولة لم تدفع "قرشًا واحدًا" فى تلك المشروعات، ولا الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، أو هيئة المجتمعات العمرانية بل قام بذلك شركات التعمير والمقاولات فى نقلة جديدة لتفعيل دور القطاع الخاص المصرى فى النهوض الفعلى باقتصاد الدولة، ومن ناحية أخرى فإن كان "جن الحكايات" والذى يمثل التشبيه المجازى لوتيرة عمل الجمهورية الجديدة قد بنى مدناً ذكية فى الصحراء، فإنه فى ذات الوقت قد سأل الفقراء فى العشوائيات عما يطلبون، وحقق لهم مرادهم بالسكنى فى بنايات حديثة مفروشة، ومزودة بأجهزة، فالدولة اهتمت بهذا، ولم تغفل ذاك، حتى جامع الفتاح العليم، وكنيسة ميلاد المسيح قد تم بناءهما عن طريق المساهمات، وتبرعات رجال الأعمال المسلمين، والمسيحيين.

البعد الخامس للجمهورية الجديدة يميزه "التواصل الجديد" الذى يظهر جليًا فى الطريقة التى يتواصل بها الرئيس مع المواطنين، والتى تتسم بالروح الشابة، والجرأة العاقلة، والقدرة على إيصال معانٍ عميقة، وذكية بمفردات سهلة، وأسلوب عذب، فالرئيس لا يعتمد فقط على الخطابات الرسمية عند افتتاح كل إنجاز، ولكننا نراه عبر شاشات التلفاز فى مقدمة الصفوف، وهو ممسكًا بالميكروفون ويتحدث بكل بساطة عن حجم هذا الإنجاز الهائل، ومدى أهميته، وكيف خرج إلى حيز الوجود، فالخطاب السياسى فى الجمهورية الجديدة يتميز بـ "الأبوة العصرية"، والتى تتضح أيضاً فى لقاءات الرئيس مع الشباب، وترفقه بكبار السن، وأخذه بأيدى المرضى، والعجائز.

يظهر بعد التواصل الجديد أيضًا فى اختبار المواطنين للمرة الأولى التواصل المباشر مع المواقع الرئاسية على الإنترنت، والتى يعتبرونها أكثر المواقع مصداقية، وفى شعار "تحيا مصر" الذى أصبح كودًا وطنيًا محببًا.

كثيرًا ما كان يروق لنا أحد المشاهد فى فيلم "الناصر صلاح الدين" عندما كان القائد صلاح الدين الأيوبى "أحمد مظهر" يبادر بتهنئة عيسى العوام "صلاح ذوالفقار" ثم يقتفى بقية الجنود أثره، كنا نعتبر ذلك خيالًا فنيًا جميلًا، ومحببًا، يحدث ذلك الآن فى مصر فى ليلة عيد الميلاد المجيد عندما يتفقد القائد رعيته فى ليالى الأعياد، حيث أصبح الواقع أكثر ابهاراً، وروعة من الفن.

أما عن البعد السادس "المعالجات الجديدة" فيعبر عنه مقال سابق لى بعنوان "إصلاح أخطاء الماضى فى مصر" فإذا كانت الجمهورية الأولى التى بدأت بانتهاء الملكية، وإعلان الجمهورية قد منحت الفلاحين إنجازات غير مسبوقة منذ "اللائحة السعيدية"، وحولتهم من أجراء إلى مالكين، لكن العقود المتتالية شهدت ترديًا تدريجيًا لأوضاع الريف المصرى.

الجمهورية الثانية الجديدة تُركز للمرة الأولى على نوعية حياة مواطنى الريف عن طريق مشروع "حياة كريمة" بما يستهدف 58٪ من تعداد السكان، عن طريق إنشاء أكثر من عشرة آلاف فصلًا دراسيًا، وتنمية مراكز الشباب، ومبانى الخدمات العامة، وتطوير 1.250 وحدة رعاية صحية، والإمداد بـ 389 سيارة إسعاف، 510 عيادة متنقلة، وإنشاء وتطوير 112 مركزًا بيطريًا، 191 مركزًا للخدمات الزراعية، بالإضافة إلى الصرف الصحى، والمياه، والإسكان.

سيحسن، ويطور كل هذا من البيئة الريفية المصرية لتكون جديرة بسكنى مواطنى الجمهورية الثانية، هذا بالإضافة إلى بعث النهضة الصناعية من جديد فى مصر بإنشاء العديد من المصانع، والمناطق الصناعية.

الإزاحة التى أدت إلى كل عناصر الجدة فى مفهوم الجمهورية الجديدة ذات أبعاد العاصمة الجديدة، والفكر الجديد، والإنجازات الجديدة، والإدارة الجديدة، والتواصل الجديد، والمعالجات الجديدة قد أوجدت بالفعل بعدين هامين جديدين وهما البعد السابع "الروح الجديدة" روح التحدى التى يتميز بها مواطنو الجمهورية الجديدة والمتمثلة فنياً فى أغنية "أنا ابن مصر، أنا ضد الكسر".

كان المصريون يتحلون بتلك الروح من قبل لكنها لم تظهر جليًا فى ظلال الأنظمة السابقة، بل كانت مكبلة، وتحت فوهة البركان، أما الآن فمُرحب بظهورها عن طريق الحريات الممنوحة، كما أن روح التحدى لذوى الإعاقة مُحتفى بظهورها وتألقها، وبتغيير اسمها إلى "ذوى الهمم".

فكان منطقيًا أن نشعر جميعًا بالبعد الثامن للجمهورية الجديدة وهو "الحلم الجديد" بأن "مصر أم الدنيا، وهتبقى قد الدنيا" على حد تعبير الرئيس عبدالفتاح السيسى.

مصر هى بالفعل قديمًا وأبدًا ستظل أم الدنيا، لكن مصر فى ظل الجمهورية الجديدة أصبح المصريون فيها يعرفون أنفسهم أكثر "من هم، ومن يكونون" حيث تتحول معرفتهم، واعتزازهم بأنفسهم، وبالقيمة العظمى لوطنهم بين مختلف الأوطان إلى مسؤولية وطنية، ومشاركة كونية.
 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز