مريم عيد
"كلنا اتولدنا المسلم مسلم، والمسيحى مسيحى بالبطاقة اللى هو ورثها... مفروض إن إحنا نعيد صياغة فهمنا لمعتقدنا... كنا صغيرين مش فاهمين طيب كبرنا... فكرت؟ ولا خايف تفكر!... عندك استعداد تمشى مسيرة بحث حتى تصل للحقيقة".
تتردد الكلمات بقوة فى وجدان الوطن، ومواطنيه لتحرك جبالا من الوهم، وسوء الفهم اعتدناها منذ زمن، من ناحية أخرى نفس الكلمات سيساء فهمها من قبل البعض بقصد أو بدون قصد.
كلمات يريد قائلها أن يأخذ سامعيه إلى مناطق أرحب، وأوسع من الفهم للدين، وفى نفس الوقت لا يرتدى عباءة الدين، ولا يخلع على نفسه تميزا إيمانيا، ولكنه يتكلم بمنطق المسئول عن رعيته.
العبارات ليست منطوقات دينية، ولا تأخذهم إلى منابر للاستماع إلى متحدثين دينيين اعتادوا سماعهم، بل تأخذهم إلى "سبيل ربك" ليس إلى أحكام أو آيات أو تفاسير، ولكن إلى ذات السبيل نفسه.
فالإيمان هنا ليس الإيمان المعرفى، والمعلوماتى فقط، وهو الذى شب عليه الجميع، مسلمون ومسيحيون، منذ الصغر، وهو بالطبع كان طورا أساسيا فى وقته، ولكن كما تقول الكلمات "كنا صغيرين، وكبرنا" لقد تلقينا المعرفة الإيمانية النظرية بما فيه الكفاية، وسنتلقى، وسنستمر فى التلقى، ولكن هناك جانب آخر، وهو الإيمان العملى أو التطبيقى الذى ينمو فى حياة الإنسان، وفى حياة البشرية بوجه عام يوما بعد يوم... فالدين المعاملة، وتعاملات الإنسان الحياتية هى ميدان اختبار الإيمان الحقيقى، كما أنها مدرسة للإيمان فيها يتدرب إيمانه، ويتقوى، ويكسبه احتكاكه بالحياة آفاقا أوسع لتعاليمه الدينية، ليكتشف أن النصوص الدينية ليست "قوالب جامدة" منغلقة على ألفاظها لكنها تمتد لتشمل الدنيا بأسرها، وتتسع لتستوعب العالم أجمع فى كل زمان، ومكان.
فلو كانت المسألة مجرد نصوص دينية فقط، لوجدت كتبا للأديان فقط بدون أنبياء، ولكن الأنبياء وجدوا ليعطوا البشر دروسا عملية، واتجاهات واقعية فى كيفية تعاملهم فى زمانهم مع ما بين أيديهم من نصوص دينية، و"صياغتهم" لها.
فالله فى الإسلام هو "نور السموات والأرض" وكلمات الله توصف فى المسيحية بأنها "سراج لرجلى كلامك ونور لسبيلى"، وكلا المسلمين والمسيحيين يتعلمون منذ الصغر أن يلتجأوا إلى اسم الله لأنه "ألا بذكر الله تطمئن القلوب".
كما أن "اسم الرب برج حصين، يركض إليه الصديق ويتمنع"، وتستمر رحلة حياتهم، وبحثهم عن وجود الله فى حياتهم فى الأزمات، والمشكلات التى تصادفهم. فالحياة تحتاج إلى صبر لذلك "فإن الله مع الصابرين"، و"الذى يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص".
قد تحولت بالفعل طاعتهم للوالدين فى الصغر إلى بر بهما فى الكبر لأنه "وبالوالدين إحسانا"، و"أكرم أباك وأمك"، وسيدرك الإنسان مع الوقت أهمية وتأثير الكلام الإيجابى فى حياة الآخرين لأن "كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء" وسيميل كلامه إلى أن يكون "كل ما كان صالحا للبنيان، حسب الحاجة، كى يعطى نعمة للسامعين".
لذلك كلما نضج ستزداد قيمة الإنسان لديه، وستصبح "الإنسانية"، والارتقاء بها هى هدف كل صياغاته المتكررة لكل ما يعرفه من نصوص دينية ليعكس الجميع حقيقة "لقد كرمنا بنى آدم"، وأيضا "وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة، وليكون لهم أفضل". عندئذ ستتحول رحلة البحث عن الحقيقة إلى "يقين" راسخ، إذا ما قصدته كلمات المداخلة ليست التشكيك فى الإيمان بل إن المقصود هو العكس تماما وهو حينما تصل بنفسك إلى اليقين الذى "اختبرته"، وليس الذى "ورثته".
هذا هو ما قصدته كلمات المداخلة الهاتفية عن "رحلة البحث". رحلة البحث التى تتكشف لنا فيها أمور جديدة خلال حياتنا، وأيضا عن طريق قراءاتنا المستمرة ليست الدينية فقط، ولكن فى كل المجالات... فالمعرفة متنوعة، ولكنها متصلة ببعضها، ومترابطة. فإن كنت أؤمن أن ما أعتنقه، وأعتقد به هو الحقيقة، فإن كل معرفة حقيقية لن تتعارض مع إيمانى، ولكنها ستدعمه بشكل ما، وربما تثبت لى صحته عرضيا، وهذا ما عنته كلمات المداخلة "فكرت؟ ولا خايف تفكر! لا تخف من التفكير، خوفك دليل على ضعف إيمانك، فما الداعى إلى خوفك!؟
انتهت المداخلة الهاتفية بتأييد دعم الرئيس الكامل لقضية "الوعى" بمفهومها الشامل، والتى تتضمن أيضا "الوعى الدينى"، وعبارة "الكرة فى ملعبك" أعطت صورة رمزية، وأشارت إلى حالة الحراك الفكرى التى تمر بها مصر حاليا، والتى نتمنى أن يحسن فيها كل المصريين تعظيم الإفادة من تلك الفرصة التى أتيحت لهم للمرة الأولى.