البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
دفعتنى تجربة تلقى اللقاح المضاد لفيروس كورونا فى مقر صحة منطقة ميت عقبة، إلى التأمل فى موهبة فريدة يتمتع بها الموظف العمومى المصرى، وينفرد بها ويجيدها بحرفية منقطعة النظير، وهى موهبة تختلف تماما عن موهبة البيروقراطية، تلك التى اشتهرت بها مدام عفاف فى الطابق الثالث، تلك الموهبة هى فن الإدارة باللا إدارة!

كان أول ما طلب منى حين وصلت إلى مقر مكتب الصحة بميت عقبة، فى أول مرة منذ ما يقرب من شهر، أن أسجل اسمى لدى شخص جالس على مدخل المقر، اتضح فيما بعد أنه مواطن ينتظر دوره لتلقى اللقاح، وقد وافق على أن يعاون فى هذا الأمر انتظارا لدوره فى تلقى اللقاح، سجلت اسمى لديه، ودخلت المقر فوجدت شابا يقوم بتنظيم المواطنين فى طوابير، ويصرخ فيهم تارة، ويحايلهم تارة، والظاهر من أدائه أنه يساعد على تنظيمهم، لكنه فى الوقت ذاته يعنفهم ويهددهم بتركهم والرحيل، ظننت أنه معاون من المواطنين أيضا، ولم ألبث أن اكتشفت أنه موظف من العاملين بمقر الصحة.

هممت بالرحيل والعودة فى يوم آخر، بعد أن سألت الطبيبة المنوط بها مساعدة المواطنين، والتى أخبرتنى أنه يمكن أن آتى فى وقت آخر خلال اليومين القادمين، وبينما أستعد للخروج إذ بذلك الموظف ينادى اسمى، رغم كل الواقفين والذين حضروا قبلى بالفعل، فلم أجد مفرا من تلقى الجرعة الأولى، رغم ترددى وقلقى، من كفاءة العاملين فى هذه الوحدة الصحية، بسبب ما رأيته من عشوائية التعامل، وعدم وجود نظام لترتيب دخول المواطنين بشكل لائق وآمن.

عدت فى الأسبوع الماضى لتلقى الجرعة الثانية من اللقاح، وكان الوضع أفضل بكثير، إذ كانت الأعداد قليلة جدا، وعلى الرغم من ذلك أصر الحارس على أن أسجل اسمى لديه، رغم عدم وجود أشخاص كثر على شباك التسجيل، ولاحظت أنه لم يمنح تلك القائمة لموظفة الاستقبال، واحتفظ بها لنفسه، وأغلب الظن أنه قام بإلقائها فى سلة المهملات، لكن التسجيل لديه فيما يبدو كان ضروريا، ليظهر وكأنه يقوم بعمله فى التسجيل، ويؤدى دوره فى الإدارة أو قل اللا إدارة.

وصلت إلى شباك الاستقبال، وبدأت الموظفة فى تسجيل بياناتى، لتلقى الجرعة الثانية، فوجدتها فرصة أن أسألها لماذا لا أجد اسمى مسجلا على برنامج صحة مصر؟ نظرت إلى بدهشة غير مصطنعة وسألتنى، ما هو برنامج صحة مصر؟!

آثرت أن لا أفتح نقاشا قد يطول وقد يكون بلا طائل أيضا، وذهبت لتلقى الجرعة الثانية، فوجدت عدد قليل من المواطنين فى صف، لكنه لا يتحرك، بسبب غياب الممرضة، التى قررت أن ترحل قبل حضور بديلتها الأخرى التى تحتل مكانها، وتلك رواية أخرى.

بحثت عن مدير مقر الصحة وهى طبيبة، وسألتها عن سبب غياب الممرضة، فأجابتنى أنها بصدد إحضار الممرضة الأخرى، والتى وصلت واحتلت مكانها، وفجأة ظهرت الممرضة الأولى بصحبة شخص اتضح أنه قد حضر لتلقى اللقاح، وكانت دعوتها له بالدخول مصحوبة باسمه دالة على أنها تعرفه جيدا، لكن تذمرنا جعلها تخرجه من الغرفة، فاستقبلته المديرة بنفسها، وهو ما يدل على حيثيته لديهم، ثم بدأنا فى تلقى اللقاح، لكن سرعان ما طلبت منى الممرضة أن أنتظر، لأنها ستبدأ بمصل "أسترازينيكا" الذى تعرف قواريره، وأنها لا تعرف أى قارورة تلك التى تحتوى على لقاح "السينوفارم"، إلى أن حضرت موظفة وأخبرتها أن "السينوفارم" فى القارورة الزرقاء، ولعلها تكون مصيبة، وأكون قد تلقيت الجرعة الثانية من اللقاح الصحيح.

حصلت أخيرا على شهادة تلقى اللقاح وسألت عن كيفية ختم الشهادة، فوجدت الموظف الذى كان يصرخ فى الناس فى المرة الأولى، جالسا على جهاز حاسب آلى، وبدا كما لو كان يعمل، لكنه كان فى الوقت نفسه، منخرطا فى حديث جانبى، نظر إلى نظرة قصيرة كما لو كان يتذكرنى، ثم أشار لى بالذهاب لغرفة بالناحية الأخرى لتلقى الختم، ولكن عاملة النظافة أعادتنى لغرفة "تلقى اللقاح" لأحصل على توقيع أحد الأطباء، نظر لى الموظف بمجرد أن رآنى، ثم عاجلنى قائلا، حسنا تحتاج للتوقيع، ثم وقع لى بنفسه وحصلت على الختم ورحلت.

ما أرويه هنا هو بغرض أن أشرح كيف تتم الإدارة فى الأماكن الحكومية بطريقة اللا إدارة، فالمسؤول غالبا ما يكون مشغولا عن الإدارة بأشياء قد يكون لها علاقة بالإدارة، لكنه لا يهتم بإدارة المكان نفسه، وهو غالبا ما يوكل التنظيم لموظف حاد الطبع، وربما ذو كاريزما أيضاً، ليستطيع أن يسيطر على الموقف، وبطريقة اللا إدارة أيضا، والناس تلحظ انشغالهم بشيء هام جدا، هو وقت الرحيل عن مكان العمل، وكيف يمكن "مط" المهام لتكون بأقل عمل ممكن، وفى أطول زمن ممكن.

وقد يأتى هذا الموظف أو المسؤول بتصرفات غير سوية، تخالف قواعد ونظم العمل وحقوق الإنسان، وتخيف العاملين والمترددين من المواطنين أيضا، تماما كما حدث من طبيب العظام، والذى أمر ممرضا بالسجود لكلبه، عقابا له على ازدراء الكلب، ولم يمانع الطبيب أيضا بأن يؤدى الممرض المسن، تحية تعظيم سلام للكلب عوضا عن السجود له، وهو أمر جلل، ما يجعلنى أتمنى أن يصدر النائب العام قراره بالتحقيق فى تلك الواقعة المريبة.

أظن أن الدولة تحتاج لأن تطلق برنامجا توعويا، عن أهمية الإدارة، وأهمية الانضباط فى الإدارة، والالتزام بقواعد ونظم الإدارة، حتى لو كان الموظف غير راض عن تلك القواعد، فالأصل أنه قد تم التعاقد معه للعمل ضمن تلك القواعد، وهو بذلك لا يملك الحق فى رفض الانصياع لها، أو حق الاجتهاد فى تعديلها، أو الالتفاف عليها، أو تعطيلها.

ولو نجحت الدولة فى توعية موظفيها بهذا الأمر، فإننى أظن أن ذلك سوف يحدث نقلة نوعية، فى الجهاز الإدارى للدولة، وهو ما من شأنه أن يحقق أقصى استفادة من العاملين به، وأفضل أداء لخدمة المواطنين فى ذات الوقت عن طريق فن الإدارة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز