البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
تمسكت بالزواج منه رغم معارضة أهلها، ومحاولاتهم حملها على رفضه لأنه من وجهة نظرهم لا يصلح لها، لكنها تمسكت برأيها بل هددت بالهروب لإتمام الزواج.

كانت فى بداية زواجها مقتنعة أنها أجادت الاختيار لأنها كانت دائما فى قمة سعادتها؛ يخرجان سويا، يخططان لمستقبلهما معا... بعد فترة بدأت تشعر بتشبثه الزائد عن الحد باختياراته لآرائه، وملابسها، وحتى لنوع الطعام الذى يحدده لها بدلا من أن يتركها تختار ما تريد، وكأنها إحدى مقتنياته.

عندما ترك عمله بإحدى الشركات الاستثمارية لم يؤثر ذلك على مادياتها كثيرا لأنها كانت ما زالت تعتمد كلية على أهلها الذين كانوا يجزلون لها العطاء ماديا، وعينيا.

توقفت عن شراء ملابس جديدة، وكانت تعتمد على ما تقتنيه من ملابس، بالإضافة إلى ما تمنحه إياها شقيقتها الكبرى من الزائد عن احتياجها:
- الفستان ده جديد، من وقت ما اشتريته ما لبستهوش خالص، هيبقى يجنن عليكى.
- لكن أنت اتخن منى شوية!
- مش مشكلة، أوسع شوية هيكون شكله لطيف برده، أو ممكن نضيقه شوية لو حبيتى.
- بند الهدوم أنا لغيته اليومين دول.
- عندك يكفى ويفيض، غير هدوم جهاز العروسة... على فكرة إحنا نفسنا أوقات كنا بنتغاضى فى الأعياد عن لبس العيد، الهدوم الجديدة بتفرح الأطفال أكتر. ليه مش بتقنعى "نادر" يشتغل مع "سامح" فى شركة المقاولات! هو مهندس مدنى وهيكون بالتأكيد متميز، والكل فى الكل هناك.
- حقيقى حاولت كتير، بيقولى مش عايز اعتمد عليكم، أنا عايز أعتمد على نفسى، ودلوقت أكيد هيظهر شغل تانى، مافيش داعى للاستعجال.
- ليه مش بتستغلى وقت فراغك، وتحضرى دراسات عليا!
- لأ حاولت مش بينفع، مافيش عندى قدرة على تحمل القراءة، والمذاكرة تانى.

عندما قصت "سها" على "نادر" ما دار بينها وبين شقيقتها "سهير"، ثار فى وجهها، واعتبر ذلك تدخلا من شقيقتها فى حياتهما الشخصية... احتد النقاش كلما احتد غضبه... حضرت حقيبة ملابسها سريعا، وذهبت إلى بيت أهلها حتى أصبح ذلك عادة متكررة لديها فيما بعد.

اتصلت بها سهير فى المساء لتخبرها أن "نادر" تحدث إليها هاتفيا، راجيا منها عدم التدخل فى حياة شقيقتها بنبرة تحمل نوعا من التهديد الهادئ.

بعودتها إلى بيت أسرتها شعرت بأن الهدوء، والاستقلالية قد عادا إلى حياتها، لكنها كانت تشعر بأن ثمة "نصلا" حادا، أو "شفرة" مسمومة قد غرست بمكان ما فى قلبها، وأحشائها... وها هى أحلامها الوردية بالسعادة، والهناء قد تحطمت على صخور الواقع.

انهمكت فى الأيام التالية فى البحث عن وظيفة، قرأت إعلانات الوظائف الخالية بالجرائد، والمجلات. ذهبت فى المواعيد المحددة للمقابلات الشخصية، كانت تفكر فى أوقات الانتظار فيما عسى أن تكون ردة فعله لو عرف ذلك. وجود بعض الأزواج برفقة زوجاتهن فى صالة الاستقبال الخارجية كان يعاود إحساسها بذات الشفرة المسمومة!

صوت هاتفها الخلوى يصدر تنويها بورود رسالة، فتحت حقيبة يدها، وأخرجت منها الهاتف فقرأت: "بحبك" ابتسمت طويلا، وكتبت سريعا: "وأنا مش ممكن أتخيل حياتى من غيرك".

عندما عاتبتها سهير على سرعة عودتها إليه فى إحدى الرسائل النصية، كتبت ردا عليها: "مش عارفة ليه وافقت أرجع له تانى".

وافق على مضض على فكرة عملها بعد أن اطمأن أن مساعدات أهلها لن تنقطع عنها، لكن لم تتصل بها جهة ما ثانية، وكأن إعلانات الوظائف المنشورة كانت مجرد إجراءات روتينية، والوظائف محجوزة للأقارب، والمعارف فقط.

لم تنقطع زياراتها لشقيقتها قط، وإن كان لم يفكر أبدا فى أن يكون بصحبتها يوما ما... كانت ابنة سهير الكبرى تهوى سماع الأغانى الغربية، تعالى صوت "سيلين ديون" فى أغنية “I’m Alive” والتى يدور ملخصها أنها تشعر بالحياة بسبب وجود حبيبها فى حياتها... داعبت ابنة شقيقتها أنها تعرف عنها أنها ترفض الكثير من العرسان، وتعلم جيدا أنه لا يوجد شخص ما فى حياتها، فلماذا إذا تسمع الأغانى العاطفية!؟ أجابتها باسمة "باسمعها بوجدان مستقل زى الأغانى العربية، بحب اللحن، وبحب الحياة بأغنيها للحياة بوجه عام مش لأشخاص".

تغير الآن إحساسها بالأغنية كانت قديما تشعرها بالبهجة والنشوة، أصبحت الآن تريد استبدال كلمة Alive بكلمة Killed... أو ربما تجتمع الكلمتان معا لتصبح القتيلة التى ما زالت على قيد الحياة... ثم عاودها الإحساس بذات الشفرة المسمومة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز