مريم عيد
ملالا والتى مازالت إلى الآن تجرى عمليات جراحية لمداواة آثار تعرضها لحادث إطلاق رصاص من حركة طالبان وهى فى الخامسة عشرة من عمرها، فى ظهيرة أحد الأيام أثناء استقلالها أتوبيسًا مدرسيًا فى وادى سوات شمالى غرب باكستان صعد أحد الرجال إلى الأتوبيس وسأل تحديدًا عن فتاة تدعى ملالا يوسفزاى، وأطلق النار على رأسها لمجرد أنها كانت تطالب بحق الأطفال فى باكستان فى التعلم، وتهاجم حركة طالبان التى تعوق هذا الأمر.
تعيش كلاً منهما فى قارة، وتفصلها عن الأخرى محيطات، وبحار، وأنهار، ومدن، وجبال؛ لكن يجمعهما الاهتمام بحقوق الإنسان.
فالإنسان هو نفس الإنسان فى كل مكان، وحقوق الإنسان واحدة مثل الماء الذى نشربه، والهواء الذى نستنشقه.
قد تختلف الثقافات كما يختلف المناخ الذى نستنشق فيه نفس الهواء لكننا نتنفس نفس الهواء عبر جهاز تنفسى له نفس التركيب، تلك هى الحقوق التى منحتنا الطبيعة إياها، حقوق الإنسان التى منحتها الطبيعة بوفرة، وبعدالة، وبتشابه يكاد يصل إلى حد التطابق .. لكن ماذا منحت المجتمعات، والحكومات كلما تطورت، وتقدم عمر الزمان لمواطنيها من حقوق حتى أنها لم تعد منحاً أو هبات، لكنها حقوق إنسان من واجب المجتمع أن يمنحها لأفراده.
الحقوق بعضها أولى، وأساسى مثل حق توفير الإقامة، واكتساب الجنسية، والمسكن، والمأكل، والمشرب، والتعليم، والصحة؛ وبعضها متطور مثل حرية التعبير، وحرية الفكر، وحرية الصحافة، وكل الحريات السياسية، والدينية، والمدنية.
كلا المجموعتين: الأولية، والمتطورة هامتان على حد سواء لكن ينبغى الأخذ فى الاعتبار أن هناك العديد من دول العالم الثالث مازالت منشغلة فى توفير الطور الأول من الحقوق، ليس معنى ذلك أن تغفل المجموعة الثانية من الحقوق الإنسانية لأن هذا سينتقص من كرامة الإنسان، لكن انشغالها فى الميدان الأولى من الحقوق ينبغى أن يؤخذ فى الاعتبار.
بالطبع حقوق الأطفال تتساوى مع حقوق الكبار فى قيمتها، وأهميتها، حقوق الأطفال فى الحياة، والكرامة، والصحة، والمساواة، وعدم التمييز، والأمان، وحرية التعبير، والاعتراض السلمى، والخصوصية، وحق اللعب، والتعليم، وحق الحماية من الضرر، والعنف.
فالمادة الأولى من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان تبدأ بعبارة "يولد جميع الناس أحرارًا، ومتساوين فى الكرامة، والحقوق"، كما أن إعلان جنيف لحقوق الطفل فى 1924 كان أسبق من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان فى 1948، ثم اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989.
لكن كما يعترى الحقوق الأولية نقص كبير أو صغير فى بلدان العالم الثالث، سيطول هذا النقص الحقوق والحريات المتطورة لأن الإنسان نشأ وترعرع بها فى بيئات تتسم غالباً بندرة الموارد، وانتشار الأمية، فلن يستطيع أن يمارس تماماً حريته بمبدأ Your freedom ends when my nose begins أو "حريتك تنتهى عندما تبدأ أنفى" وقد قيلت تلك العبارة عندما كان أحد المتظاهرين يهتف مردداً: "Freedom- Freedom" فارتطمت يده بأنف أحد المتظاهرين، فقال له تلك العبارة، والأنف هنا تشير إلى حريات الآخرين، وإلى ضرورة احترام حريات الآخرين كثقافة مجتمعية، وسياسية.
هذا الدور تضطلع به الحكومات أيضاً عن طريق توفير وصيانة الحريات، والدولة هنا هى المنشغلة من الأساس بتوفير الطور الأول من الحقوق الأولية فى مجتمعات ليست عريقة فى ممارسة الديمقراطية، والتى هى فى ذات الوقت إحدى حقوقها الأصيلة.
لذلك من غير المنطقى، ومن غير الملائم توقيع عقوبات على الدول الجادة فى السعى نحو الديمقراطية دونما إضرار بالآخرين، لماذا لا يمارس عتاة الديمقراطية دورهم فى لفت النظر إلى ما يخالف الديمقراطية مرة، واثنتان، وثلاث، وإعطاء توصيات، والمساعدة على تنفيذها، ومتابعة مسارها.
هل تعاقب دولة لأنها تسير بثبات، ودأب نحو الديمقراطية، لكنها ربما قد تتعثر فى طريقها الموحش، فهل تعاقب على ذلك، وهى دولة ذات سيادة!؟ كما أن ذلك سيخضع لازدواجية المعايير، وللعلاقات الدولية ومدى تقاربها أو تشابكها، وتداخلها.
تركيا على سبيل المثال، يمنعها انتهاك حقوق الإنسان من الانضمام للاتحاد الأوروبى، لكنها فى نفس الوقت عضو بحلف "الناتو"، كما أن الديمقراطية لا تصدر فى علبة إلى دولة أخرى، فلم تستطع أمريكا بلد الحريات إهداء الديمقراطية إلى أفغانستان على مدى عشرين عاماً، فتحقيق الديمقراطية منجز شعبى.
من أساءوا لسمعة مصر عبر بعض المنظمات الحقوقية، فعلوا ذلك مستغلين مناخ الحرية الذى أُتيح فى العقود الأخيرة بصورة سيئة، من ناحية أخرى فإن من أساءوا إلى سمعة مصر هم أول من انتهك حقوق الإنسان بوجه عام، والطفل على وجه الخصوص، وتستطيع أن تشهد الأجيال التى عاشت طفولتها فى الثمانينيات، والتسعينيات عن كم التضييق العقلى، والتحرش الفكرى، والدراسى، والنفسى بالأطفال وخصوصاً فى المدارس، وانتهاك حقوق الأطفال من المسلمين أو المسيحيين، الفتيات منهما أو الفتية، فى المساواة، والكرامة، والاحترام، وتعمد مضايقتهم، وإهانة كرامتهم، وتضييق الخناق عليهم، وعدم احترام عقولهم، وتوجد أمثلة عديدة على ذلك .. علاوة على قتل جذوة الإبداع فى نفوس الأطفال بتعليمهم تحريم الفنون فى تلك السن الصغيرة.
بل إنهم أظهروا وجهًا قبيحًا آخر فى سلسلة الإساءة لحقوق الطفل، وهو حقه أن يعيش فى كنف والديه بخلق جيل من الأطفال اليتامى بعد مقتل آبائهم فى الجيش، والشرطة، وأماكن التفجيرات، وحوادث الكنائس.
يلفت هذا النظر إلى ضرورة تدريس حقوق الإنسان، وخصوصًا حقوق الأطفال للصغار من أجل زرع ثقافة حقوق الإنسان فى نفوسهم بالإضافة إلى سيادة القانون، والحريات، والمساواة، وقيم العدالة الإنسانية ليكونوا نواة لمواطنين عالميين.