مريم عيد
الديمقراطية، بدون شك، هى أفضل مناخ للتنمية، فإذا كانت الدولة تتعهد ببناء المصانع، والمساكن، والمستشفيات، والطرق، فإن تشكيل وبناء ذات الدولة هو دور المواطنين فى المجتمع الديمقراطى عن طريق العملية الانتخابية والآليات المُتعلقة بها.
كما أن الديمقراطية، والتى هى "حكم الشعب بالشعب لصالح الشعب" قائمة على حاكمية الشعب، ولن تأتى حاكمية الشعب، إلا عن طريق "الحوار الديمقراطى"، وليكون الحوار بنَّاءً ينبغى أن يكون الأفراد متعلمين، أو لديهم وعى كافٍ حتى يستطيعوا تعيين واختيار ما هو بالفعل "لصالح الشعب".. كما أن انتعاش أحوال المواطنين سيؤدى إلى تمسكهم بـ الديمقراطية، فكلما ازدادت أوضاعهم تميزا، ازدادوا تمسكا بالإبقاء على استقرار أوطانهم، وسبل تطورها، والديمقراطية بدورها تصنع رابطة سياسية بين المواطنين.
فـ "الجمهورية الجديدة" لن تعتمد على شراء أصوات الناخبين بـ"الزيت، والسكر، والصابون، والسلع التموينية"، ولكنها تركز على "حياتهم الكريمة" التى ستوفر لهم كل ذلك، كما يقول المثل الصينى "بدلاً من أن تعطينى سمكة، علمنى الصيد"، وبالتالى سيتمسكون بديمقراطيتهم التى ستؤدى إلى ديمومة تلك المشاريع التنموية التى حصلت مؤخراً على تقدير، وثناء الأمم المتحدة.
الهند، بالطبع، والمعروفة بتعدديتها الثقافية، وتسامحها، وديمقراطيتها إلا أنها، تبعا لتقارير "هيومان رايتس ووتش"، و"فريدوم هاوس" مارست انتهاكات فيما يخص حقوق الإنسان، والاعتداءات على حرية بعض الصحفيين، ولكنها وصفت يوم الجمعة الماضى ،خلال انعقاد قمة "كواد" بأنها واحدة من ضمن الأربع ديمقراطيات: "أمريكا، واليابان، والهند، وأستراليا".. ربما موقعها الجغرافى أيضا، هو أحد أسباب تواجدها بتلك القمة، ولكن، "لماذا الكيل بمكيالين، ووصم مصر بانتهاك حقوق الإنسان؟!".
مصر دولة لها تاريخ فى الاعتراف بالعهود، والمواثيق الدولية، والإعلان العالمى لحقوق الإنسان، وقضاء عادل يهتفون له ويقولون: "يحيا العدل".. فكيف يكون ذلك ومصر لديها مجتمع مدنى قوى يمارس عمله بكل حرية من منظمات حقوقية ونسوية؟! .. كيف يكون ذلك وفى مصر المجلس الأعلى لحقوق الإنسان، والمنظمة المصرية لحقوق الإنسان، ومساعدو وزير الخارجية لحقوق الإنسان، والمجلس الأعلى للمرأة؟! .. كيف هذا ومصر تهتم بحقوق الأقليات، وبحقوق أصحاب الحالات الخاصة؟!
فى الوقت نفسه، الاهتمام بحقوق الإنسان لا يتم بصورة كاملة سواء فى مصر أو فى جميع دول العالم، ويكون عليه دائما، بعض المآخذ. فإن وُجد فى مصر ما يتنافى مع حقوق الإنسان فى الفترة الأخيرة، فربما يبرره مرور مصر بثورتين متعاقبتين، و اجتيازها فترة "تحول ديمقراطى".
هل يمكن لأحد ما فى العالم أن يتساءل عن مصير المتسببين فى أحداث الكابيتول يوم 6 يناير2021؟! أم أن ذلك يعتبر شأنا أمريكيا له ما يبرره نظراً لاعتبارات الأمن القومى الأمريكى؟
أتذكر أحد المسلسلات الأمريكية الشهيرة، والتى كان التليفزيون المصرى يقوم بعرضها منذ عدة سنوات "Medium"، والذى يدور عن "أليسون" التى تمتلك قوى خارقة فى التواصل مع عالم الموتى، ومعرفة ملابسات ما تعرضوا له من اضطهاد أو عنف أو ظلم فى غضون اتهامهم أو أثناء محاكماتهم، فهل يعد ذلك المسلسل على سبيل المثال وصمة على جبين "الديمقراطية الأمريكية"؟! .. كلا بالطبع، ولكنه يوضح أن الظلم أمر بشع، ومشين، ومكروه، ولكنه وارد الحدوث بين البشر.
بل يمكننا القول، إن ثورة 30 يونيو ذاتها كانت "ثورة حقوقية" قام بها المصريون من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان، واعترضوا على مسودة الدستور التى خلت من أية مرجعية حقوقية، أو النص على أى من تعهدات الدولة المصرية، والتزاماتها باتفاقيات ومواثيق حقوق الإنسان فلجأ فيها الشعب إلى جيش بلاده لإتمام مقاصده، ولم يلجأ إلى أية قوى أجنبية أخرى.
ينقلنا هذا بدوره إلى الوجه الآخر الأكثر بشاعة لمأساة اتهام مصر بانتهاك حقوق الإنسان، ألا وهو أن أكبر منتهك لحقوق الإنسان فى مصر طيلة السنوات السبعين الماضية هم "جماعة الإخوان"، وأذرعها الإرهابية، والتى بفضل اندساس عناصرها فى بعض المظاهرات، والاضطرابات، والاعتصامات نسجوا بأنفسهم ما وُصمت به السلطات المصرية من استخدام العنف.
مَن الذى كان يضيق الخناق على المصريين طيلة كل تلك السنوات؟! .. مَن الذى شوَّه مفهوم الدولة والوطنية لدى المصريين ليصل بفتاويه إلى حد تحريم تحية العلم؟! .. مَن الذى أضعف لدى المصريين قيم احترام الكبير وأولى الأمر؟! .. من الذى كان يتعاون مع الجماعات التكفيرية من وراء الكواليس لتنفيذ عمليات إرهابية فى الأماكن العامة، والكنائس، والمقاهى، والأماكن السياحية لترويع الآمنين ثم يحفظ لنفسه ماء الوجه حتى يستطيع أن يخوض غمار الحياة السياسية؟! .. مَن الذى كان يكيد للمسيحيين وللمسلمين، ويتدخل فى تصرفاتهم بدون وجه حق فى المدارس، ويفرض نفسه على اتحادات الطلاب بالجامعات، وعلى النقابات؟ .. مَن الذى شوَّه طبيعة المصريين التى تميل إلى السماحة، والمحبة، والتآلف لتتصف بالجفاء وتميل إلى التنطع، ولتبتعد عن الشهامة الفطرية إلى تمجيد المواقف العنترية، وتغادر الحوار المستنير إلى الجدل العقيم؟! .. مَن الذى حوَّل خصوبتهم الفكرية إلى جدب وطنى وتسامحهم إلى فظاظة وغلظة؟!
ثم تخلوا فجأة عن دورهم السخيف والمسموم، وابتسموا لنا "ابتسامة عريضة" فى أحداث 20 يناير للمرة الأولى، لتظهر عليهم فجأة "أعراض الديمقراطية" التى لا يعنيهم منها سوى صندوق الانتخابات، وأغفلوا المصريين لبعض الوقت، فكيف تناسى المصريون ميراث كل تلك السنوات؟! .. هل هم رجعيون أم حسنو النية؟! .. كلا، يخطئ من يظن ذلك، فهم فقط صبورون، وفى صبرهم يستطيعون منح فرص استثنائية لا يستحقها البعض، لكنهم إذا تنبهوا أقاموا الدنيا، ولم يقعدوها.
يجب أن يعلم الاتحاد الأوروبى، والكونجرس الأمريكى، ومنظمات حقوق الإنسان حول العالم أن تلك الشكاوى المقدمة إليهم ليست إلا "شكاوى كيدية"، فكيف تعرب 20 منظمة فى أغسطس 2019 عن استيائها من دعوة فرنسا لـ الرئيس المصرى عبدالفتاح السيسى لحضور قمة مجموعة السبع؟!، ألا يثير الأمر الارتياب؟!، أليس فى هذا تدخلا سافرا فى السياسة الدولية؟!، فكيف يمكن لفصيل وطنى ما أن يكيد لدولته، وأن يقوِّض تقدمها حتى لو اختلف مع قادتها؟! .. ثم أعادوا الكرة عقب ذلك فى رسالة مفتوحة إلى الاتحاد الأوروبى.
لقد تناسينا أن نحاسبهم على دورهم المشؤوم لسنوات من تاريخ مصر الحديث، حتى لجأنا إلى الجيش لينقذنا من داعمى الإرهاب ومقوضى الحريات، وتسامحنا فى الماضى وعبر التاريخ أدى إلى تماديهم وتواصلهم مع المنظمات الأجنبية، ومع إدارة الرئيس "بايدن" والتى نتعشم فيما بعد أن يدفعها إيمانها كحزب ديمقراطى بالمساواة، والحريات، وحقوق الإنسان إلى البحث والتحليل لمعرفة من هو العدو الأول لحقوق الإنسان فى مصر، والذى يسعى متنكرا للتواصل الآثم معهم باستمرار، مع أنه لا يؤمن بديمقراطيتهم، ولا بديمقراطية المصريين.