إيهاب عمر
ولقد عملت دوائر الغرب على تنقية الحزب المسيحى الديموقراطى الذى تنتمى إليه المستشارة منتهية ولايتها أنجيلا ميركل، باستبعاد العناصر ذات التوجه القومى، وعلى رأسها وزيرة الدفاع ورئيسة الحزب سابقًا السيدة أنجريت كرامب كارينباور، أو المرشح المهزوم لرئاسة الحزب فريدريش ميرتس، وتم تصعيد أرمين لاشيت إلى رئاسة الحزب ما جعله مرشح اليمين المحافظ الألمانى لخلافة ميركل.
ولعل هذا المنحنى النيوليبرالى داخل معقل اليمين المحافظ الألمانى هو سبب خسارته لخمسين مقعدًا دفعة واحدة فى الانتخابات، إذ أن ميركل عملت فى سنواتها التى بلغت 16 عامًا على رأس المستشارية الألمانية لأربع ولايات متتالية على تفكيك اليمين المحافظ والقومى داخل الحزب المسيحى الديموقراطى، وهو ما جعل الناخب الألمانى المحافظ يبتعد عن دوائر الحزب، ليحقق الحزب أسوأ نتائجه الانتخابية منذ قيام ألمانيا الفيدرالية عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، وليتأكد التاريخ أن "الميركلية" ذهبت مع ميركل وأن 16 عامًا كانت كافية، وأنه على الحزب المحافظ أن يعود إلى مرجعيته المحافظة، وقد ذهبت آراء حكماء الحزب إلى أن أرمين لاشيت يتحمل أسباب الهزيمة كاملة، وأن المرحلة المقبلة هى مرحلة رئيس وزراء بافاريا القوى ماركوس سودر.
وكان يفترض أن يكون حزب البديل الألمانى هو البديل بالفعل لكل من يريد التصويت لليمين عمومًا والتيار القومى على وجه التحديد، ولكن المفارقة أن الحزب استجاب للابتزاز الإعلامى والفكرى الذى تعرض له، وحاول تقديم وجه وسطى ليبرالى خلال الحملة الانتخابية، ما جعله يخسر بدوره أحد عشر مقعدًا فى البرلمان الألمانى، وبعد أن كان حزب البديل فى انتخابات 2017 هو الفائز الأكبر حينما حل ثالثًا فى البرلمان، فإنه تقهقر فى انتخابات 2021 إلى المرتبة الخامسة.
عزوف اليمين المحافظ واليمين القومى عن التصويت فى الانتخابات بعد المنحنى الليبرالى للحزب المسيحى الديموقراطى وحزب البديل الألمانى، واجه كثافة تصويتية لليسار والخضر، على ضوء مخطط غربى لتصعيد اليسار على مستوى العالم لمواجهة اليمين والمد القومى، وهكذا نبذ الناخب الألمانى حزب اليسار ذو النزعة الماركسية، وركز على معقل اليسار الألمانى ألا وهو الحزب الاشتراكى الديموقراطى، ليحصد الاشتراكيين 53 مقعدًا إضافيًا يكفل لوزير المالية الحالى الاشتراكى أولاف شولتس بدء مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة ويضمن له مقعد المستشار الألمانى.
حزب الخضر حصد 51 مقعدًا إضافيًا جعله القوة الثالثة فى ألمانيا، وكان يمكن أن يحصد المزيد من المقاعد لولا الأخطاء الانتخابية لمرشحة الحزب للمستشارية السيدة أنالينا بيربوك.. هكذا يمكن القول إن الانتخابات الألمانية كانت عقاب لكل الأطراف ما عدا الاشتراكيين، خسر اليمين المحافظ ممثلاً فى الحزب المسيحى الديموقراطى بسبب سيطرة الجناح النيوليبرالى، وخسر حزب البديل الألمانى بسبب سيطرة الجناح الإصلاحى، وخسر حزب اليسار بسبب قدرة الحزب الاشتراكى على جذب أصوات الهوى اليسارى.
والانتخابات الألمانية لا تخص ألمانيا وحدها، على ضوء حقيقة أن ألمانيا اليوم هى زعيمة الاتحاد الأوروبى، وبالتالى فإن ما يحدث فى ألمانيا يؤثر فى القارة الأوروبية، وتعتبر هزيمة حزب البديل الألمانى هى الأبرز، إذ يتوقف المد القومى فى برلين عند إنجاز انتخابات 2017.
وكان التيار القومى قد صعد فى الغرب على وقع الأزمة الاقتصادية العالمية (2008 – 2013)، ثم وصل الصعود إلى الذروة فى صيف 2016، حينما انتصر تيار بريكست فى بريطانيا، ثم انتخب زعيم اليمين القومى الأمريكى دونالد ترامب لرئاسة أمريكا، وخلال السنوات التالية صعد اليمين القومى داخل حزب المحافظين البريطانيين برئاسة بوريس جونسون إلى رئاسة الوزراء البريطانية فى 24 يوليو 2019، وصعد زعيم اليمين القومى النمساوى سيباستيان كورتس إلى منصب مستشار النمسا فى 18 ديسمبر 2017.
ولكن شبكات المصالح الغربية التى تدير الكتلة الغربية عمدت الى إعادة هيكلة التيار الاشتراكى لمواجهة التيار القومى، بالإضافة إلى حشد الليبراليين والخضر وحتى اليمين المحافظ التقليدى من أجل تفكيك الصعود القومى.
وعلى ضوء هزيمة ترامب فى انتخابات نوفمبر 2020 أمام تحالف نيوليبرالى من الاشتراكيين والليبراليين داخل الحزب الديموقراطى الأمريكى، وهزيمة اليمين الإسرائيلى أمام تحالف نيوليبرالى فى انتخابات الكنيست 2021، وترنح حكومة اليمين القومى فى بريطانيا برئاسة بوريس جونسون، وتعثر حكومة اليمين القومى فى البرازيل وسقوط حكومة اليمين القومى فى الأرجنتين، وصمود حكومة الليبرالى جاسين ترودو فى كندا خلال الانتخابات المبكرة امام اليمين الكندى، بدا واضحًا أن هنالك موجة مد يسارى مضادة للمد القومى تصعد حول العالم بمباركة من زعماء الرأسمالية الدولية والعولمة النيوليبرالية.
التوجه اليسارى فى إدارة جو بايدن وحكومة ألمانيا المقبلة، سوف يتحول إلى مد اشتراكى يجتاح أوروبا بشكل أو بآخر، وكل الأنظار تتوجه إلى الانتخابات الرئاسية الفرنسية فى 2022، والانتخابات البرلمانية الإيطالية والإسبانية 2023، والانتخابات البرلمانية النمساوية 2024، ولكن حتى الآن يمكن عنونة هذه المرحلة من التاريخ السياسى بعنوان "يسار العولمة النيوليبرالية".
هل يتحول التيار القومى إلى مجرد ظاهرة وقتية فى تاريخ الغرب، تمامًا كما كانت ظاهرة الطريق الثالث التى كان من رموزها: بيل كلنتون، وآل جور، وخوزيه ماريا زباتيرو، وجيرهارد شرويدر، وسيجولين رويال، وتونى بلير، وأناسيو لولا دى سيلفا، والتى كانت فى جوهرها يسار غربى اختار أن يصبح الجناح اليسارى للعولمة، أم نرى الموجة الثانية من المد القومى فى أقرب جولة انتخابية فى الغرب؟
فى كل الأحوال.. انتصر المد اليسارى منذ خريف 2020، متسلحًا بالإرهاب الفكرى المسمى بـ"الصوابية السياسية"، وفى إحياء القيم اليسارية المتطرفة عبر هذه الخطة الغربية خطر شديد على مفهوم الدولة الوطنية والروح القومية حول العالم أجمع.
وإذا كانت ألمانيا عبر عقود لا يتم حكمها إلا عبر ائتلاف حزبى من حزبين، إلا أن أولاف شولتس ينتظره مارثون مفاوضات لتشكيل أول تحالف ثلاثى فى تاريخ ألمانيا، إذ أن الكتلة الاشتراكية بحاجة إلى كتلة حزب الخضر، بالإضافة إلى الحزب الديموقراطى الحر، لذا لم يكن مستغربًا أن يصرح شولتس بأنه يأمل ان تبصر الحكومة الجديدة النور قبل عطلة الكريسماس أى أواخر ديسمبر 2021، ما يعنى أن المستشار المكلف يمهد الطريق لـ100 يوم من المفاوضات الحكومية من أجل تقاسم الحقائب والصلاحيات الوزارية.
اما الأحزاب الخاسرة فإن الحل ليس بالتوجه إلى التيار الوسط، فعلى اليمين المحافظ أن يعود إلى المرجعية المحافظة، وعلى اليمين القومى أن يعود إلى المرجعية القومية، وعلى اليسار الماركسى أن يذهب إلى كتب التاريخ ومتاحف السياسة، وفقًا لأرقام الانتخابات الألمانية.
ختامًا سوف تظل ميركل فى الصورة لثلاثة أشهر إضافية، كما أنه لا يستبعد أن يتم تسمية ميركل فى منصب رئيس الدولة ذو الصلاحيات الشرفية، لتصبح المستشارة الحديدة وامرأة أوروبا الحديدة هى أول سيدة تتولى رئاسة ألمانيا كما كانت يومًا هى أول سيدة فى التاريخ تتولى منصب المستشارية.