البث المباشر الراديو 9090
محمود بسيونى
ما زالت أصداء صيحة الرجال فى يوم السادس من أكتوبر من عام 1973، تصدح فى أنحاء سيناء.. «الله أكبر»، صيحة العبور الخالدة لتحرير الأرض وتغيير واقع النكسة المؤلم.

الاستعانة بالله والثقة فى الذات كانت السلاح الأقوى فى أيدى المصريين، والذى مكنهم من القضاء على العدو فى ست ساعات بحسب التعبير الأشهر لبطل الحرب والسلام الرئيس الراحل محمد أنور السادات.

كل أيام أكتوبر انتصارات مصرية.. غرقت المدمرة الإسرائيلية فى 21 أكتوبر 1967، كأول انتصار مصرى بعد النكسة، وفى أكتوبر أعلن المصريون عن أنفسهم بعد أشهر قليلة من الصدمة، إذ قررت مصر الصمود والتحدى والتفت حول الزعيم جمال عبد الناصر ورفضت رحيله، قرر أن يستعد للمعركة، وبدأ حرب الاستنزاف أو الحرب المستحيلة بحسب تعبير الكاتب الراحل محمود عوض.

بعدها الأمور تغيرت كثيرا بتولى الرئيس أنور السادات أمير الدهاء، فى 16 أكتوبر عام 1970، استهان به الجميع فى البداية وظن الإسرائيليون والسوفييت والأمريكان وحتى المصريين أن مصر لن تحارب.

كانت ملامح شخصية السادات فذة وغير عادية، فلاح من المنوفية يقرأ تشارلز ديكينز، كان منحازًا فى النضال الوطنى لتجربة غاندى، ورجل دهاء ومكر ومناور من الطراز الأول وفى نفس الوقت أول من يبادر بالسلام.

فى بداية حياته انخرط فى أنشطة تنظيمات مقاومة الإنجليز السرية ثم تم طرده من الجيش واعتقاله وإيداعه سجن الأجانب مرات عدة، فى سنة 1945 هرب من السجن بعد إلغاء الأحكام العرفية.

فى فترة هروبه غير ملامحه وأطلق على نفسه اسم الحاج محمد، واشتغل «تباع» على سيارة نقل يملكها صديقه الحميم حسن عزت، وظل هاربًا بلا مأوى محدد لمدة 3 سنوات حتى عاد لمنزله وأسرته وحياته الطبيعية.

لم يجادل السادات كثيرا حينما عرض عليه جمال عبد الناصر الانضمام للضباط الأحرار سنة 1951 انضم فورا وبدأ يعمل مع التنظيم ضد الملك وبدأت تتوطد صداقته مع عبد الناصر واستطاع أن يكتسب ثقته حتى أنه كان من القليلين الذين عرفوا بموعد قيام الثورة يوم 23 يوليو 1952.

مع نجاح الثورة ظهرت الانقسامات بين قادة الثورة، فقرر السادات الانزواء فى الظل حتى عاد للحياة السياسة سنة 1958 واختاره عبد الناصر رئيسا لمجلس الأمة الاتحادى الذى تشكل بعد الوحدة مع سوريا.

اصطدم السادات بعد وفاة عبد الناصر بما عرف بمراكز القوى وكانت مهاراته المتميزة فى المناورة جاهزة لحسم معركته معهم وسجلها التاريخ باسم ثورة التصحيح.

استعد السادات لمراكز القوى وداعميهم بمفاجأة، وهى المبادرة التى أعلنها أمام الشعب فى فبراير عام 1971، وعرض فيها على إسرائيل الانسحاب من ضفة القناة إلى المضايق، مقابل إعادة فتح قناة السويس للملاحة الدولية، وكانت صدمة شديدة وقاسية لهم.

أديب نوبل نجيب محفوظ، ذكر أن انطباعاته عن السادات لم تكن جيدة، لكن فكرته بدأت تتغير لما بدأ ‏فى حرق التسجيلات وهدم سجن القلعة وكانت الخطوة الأهم التى رآها محفوظ، هى ثورة التصحيح، وقال إن السادات "كان عارف إنهم مش عايزين"، فطبق المثل ‏الشعبى "اتغدى بيهم قبل ما يتعشوا بيا‎".

الانتصار على مراكز القوى أعطى للسادات دفعة كبيرة لحرب أكتوبر، تجاهل الاتحاد السوفيتى طلبات السلاح، ووضع شروطا لاستخدامها بأمر من قيادة الاتحاد فأجابهم ‏السادات بكلمة واحدة: "آسف"‏.

قرر السادات تغيير قواعد اللعبة بمناورة كبيرة، وفى بداية عام 1972 فاجأ الجميع بالاستغناء عن حوالى 17.000 خبير روسى فى أسبوع واحد، وكانوا من قدامى العسكريين السوفييت والمحالين إلى التقاعد، المناورة نجحت والاتحاد السوفيتى شعر بالقلق لخروجه من مصر، وبدأ يستجيب لطلبات السلاح المصرية بشكل أسرع وبدون شروط.

بدأ السادات أكبر مناورة فى تاريخه وتاريخ مصر، وهى خطة الخداع الاستراتيجى لبدء حرب أكتوبر، فى يوليو 1972 اجتمع مع رئيس المخابرات العامة والمخابرات الحربية ومستشار الأمن القومى والقائد العام للقوات المسلحة، لوضع خطة خداع استراتيجى تسمح لمصر بالتفوق على التقدم التكنولوجى والتسليحى الإسرائيلى، وإخفاء أى علامات للاستعداد، واشتملت الخطة على ستة محاور استيراد مخزون استراتيجى من القمح، عن طريق تسريب المخابرات العامة معلومات بأن أمطار الشتاء غمرت صوامع القمح، وأفسدت ما بها، وتحول الأمر لفضيحة إعلامية استوردت مصر بعدها الكميات المطلوبة.

كذلك إخلاء المستشفيات تحسبا لحالات الطوارئ، وكانت الخطة قائمة على تسريح ضابط طبيب من الخدمة وتعيينه بمستشفى الدمرداش، ليعلن اكتشافه تلوث المستشفى بميكروب، ووجوب إخلائها من المرضى لإجراء عمليات التطهير.

وفى اليوم التالى نشرت "الأهرام" الخبر، معربة عن مخاوفها من أن يكون التلوث وصل إلى مستشفيات أخرى، فصدر قرار بإجراء تفتيش على باقى المستشفيات، وأخليت.

استيراد مصادر بديلة للإضاءة أثناء تقييد الإضاءة خلال الغارات، عن طريق إقناع أحد مهربى قطع غيار سيارات بتهريب صفقة كبيرة من المصابيح مختلفة الأحجام، وبمجرد وصول الشحنة كان رجال حرس الحدود فى انتظارها، واستولوا عليها كاملة وتم عرضها بالمجمعات الاستهلاكية.

ومن أجل تقليل الانتباه العام دعا الفريق أول أحمد إسماعيل جميع وزراء الحكومة يوم 27 سبتمبر 1973 لزيارة هيئة الأركان العامة، لإطلاعهم على الجديد من الأجهزة المكتبية والحاسبات الآلية.

وعلى الجبهة بدأ نقل المعدات الثقيلة كالدبابات إلى الجبهة، عن طريق نقل ورش التصليح إلى الخطوط الأمامية، ودفع الدبابات إلى هناك فى طوابير بحجة تعطلها، ونقل معدات العبور والقوارب المطاطية عن طريق تسريب المخابرات تقريرا يطلب فيه الخبراء استيراد كمية مضاعفة من معدات العبور ما أثار سخرية إسرائيل، وعندما وصلت الشحنة ميناء الإسكندرية، ظلت ملقاة بإهمال على الرصيف حتى المساء، فى ظل إجراءات أمنية توحى بالاستهتار واللامبالاة.

وأتت سيارات الجيش فنقلت نصف الكمية إلى منطقة صحراوية بضاحية "حلوان"، وتم تكديسها وتغطيتها على مرمى البصر فوق مصاطب لتبدو ضعف حجمها الأصلى، فيما نقلت سيارات مقاولات مدنية الكمية الباقية للجبهة مباشرة.

واستمرت خطة الخداع استعدادًا لأكتوبر برفع درجة الاستعداد القصوى للجيش، وإعلان حالة التأهب فى المطارات والقواعد الجوية من 22 إلى 25 سبتمبر، ما يضطر إسرائيل لرفع درجة استعداد قواتها تحسبا لأى هجوم، ثم يعلن بعد ذلك أنه كان مجرد تدريب روتينى، حتى جاء يوم 6 أكتوبر، فظنت المخابرات الإسرائيلية أنه مجرد تدريب آخر.

وبدأ القتال تحت ستار المناورة العسكرية المشتركة "تحرير 23"، ثم استبدلت خرائط التدريب بخرائط العملية "بدر" وكانت البرقيات والرسائل المصرية التى تعترضها المخابرات الإسرائيلية تؤكد أنباء تلك المناورة، ما أدى إلى استبعاد إسرائيل لفكرة الحرب.

فى أكتوبر 1973 تم الإعلان عن فتح باب رحلات العمرة لضباط القوات المسلحة والجنود، وتنظيم دورات رياضية عسكرية ما يتنافى مع فكرة الاستعداد للحرب.

ظلت الخطة سارية حتى عبر الجنود المصريون القناة ودمروا خط بارليف وسطروا ملحمة جديدة بدمائهم، لكن المعركة لم تنته واستمرت ولكن فى ميدان آخر وهو ميدان التفاوض والسلام.

واجه الرئيس السادات التعنت الإسرائيلى بصبر وثبات وبصيرة نافذة أنه سيحقق ما يريد ويستعيد كامل الأرض، وبعد تعثر المفاوضات ذهب إلى القدس وحشر الاسرائيليين فى الزاوية.

سعت الولايات المتحدة بقيادة الرئيس جيمى كارتر إلى إحلال السلام، وقرر الرئيس الأمريكى أن يحدث اختراقا فى حالة الجمود، ودعا السادات وبيجين الى الولايات المتحدة، وذهب السادات إلى منتجع كامب ديفيد الرئاسى فى الولايات المتحدة للتفاوض على سيناء والضفة وقطاع غزة ولم يذهب أبدا لعقد صلح منفرد مع إسرائيل.

واجه السادات شخصية صهيونية متعصبة، وهو مناحم بيجين المنتمى لجيل الصقور المؤمنين بأن إسرائيل إن تنازلت مرة لجيرانها ‏ستكون نهايتها كدولة، أما كارتر فكان بلا خبرة سياسية مجرد فلاح بسيط متدين من ولاية جورجيا، قاده الحظ إلى الترشح للانتخابات الرئاسية أمام أمة أمريكية مهزوزة من فضيحة سياسية بحجم ووترجيت، أدت إلى استقالة الرئيس.

وفق كتاب لورانس رايت، حول المفاوضات فى كامب ديفيد، "ثلاثة عشر يوما فى سبتمبر"، قبل السادات دعوة كارتر بالذهاب إلى لمفاوضات السلام فى كامب ديفيد، لأنه اعتبر عملية التفاوض مع بيجن مسألة بسيطة تقوم على تقديم مصر مقترحها من أجل السلام وهو ما سترفضه إسرائيل، وحينها يتدخل كارتر ويضغط على بيجن لقبول العرض المصرى، فيقبل بيجن وتكون مصر حققت إنجازا كبيرا أما إذا رفض بيجن فإن مصر وفق تصور السادات لن تخسر شيئا، بل تكسب علاقة أوثق مع الولايات المتحدة والرأى العام الدولى، والأهم أن السادات اعتقد أن فشل المفاوضات فى كامب ديفيد يؤدى إلى سقوط بيجن فى الداخل الإسرائيلى ورحيله عن الحكم.

وحقق السادات هدفه ونجحت مناورته مع بيجن وكارتر ووقعت مصر معاهدة سلام فى 26 مارس 1979 واستعادت مصر كامل سيادتها على ترابها الوطنى ومهدت الأرض أمام العرب من أجل الانخراط فى عملية السلام وإقامة الدولة الفلسطينية.

انتصر المصريون فى أكتوبر بالعلم والعمل المستمر، انتصروا بالوعى والصبر والإيمان بقدراتهم، بتلاحم الجيش مع الشعب، وانتصروا مرة اخرى فى يونيو على الإخوان، ثم كرروا الانتصار على الإرهاب والآن يستعدون لتحقيق حلم الإنسان المصرى فى حياة كريمة، يتحركون بقوة لتنفيذ أحلامهم بعدما حوّلوا كل أيامهم إلى أكتوبر جديد.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز