إيهاب عمر
وزاد الطيب بلة أن عملية الكتابة بمجمل أفرعها فى مصر قد خضعت لمعايير التجارة والسوق، ومع الجوع المعرفى لدى كل الأجيال، وجد بعض المرتزقة أن ارتداء وشاح التنوير والوعى قد يعوض هزائمهم المهنية فى قطاعات أخرى.
وبكل أسف فإنه فى ظل أوساط أدبية وثقافية اخترقت على مدار الساعة زهاء مئة عام، فإن بعض الأقلام التى هتفت يوماً ضد المؤسسة العسكرية المصرية، تحاول اليوم ادعاء الوطنية عبر هذه الكتابات، ولكنها لا تزال تعمل وفقاً لنفس ذات الاجندة التى حاولت عبرها النيل من سمعة وهيبة رجال القوات المسلحة.
عملية الاغتيال الأدبى الجديدة طالت هذه الأيام الصاغ صلاح سالم، عبر نص مبتور أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قد عاقبه بإقالته من رئاسة تحرير جريدة الشعب عقب العدوان الثلاثى عام 1956، وفى ثنايا النص هنالك نوع من التحقير بشأن صلاح سالم باعتباره صحفى او مسؤول فشل فى مهمته بجريدة الشعب أو فى إدارة العملية الصحفية، وأن إقالة صلاح سالم من رئاسة تحرير جريدة الشعب أتت لصالح تعيين أحمد بهاء الدين رئيساً لتحرير الجريدة.
هذا النص – بكل تأكيد – هو ابن شهادة موتورة، على ضوء حقيقة أن الأجيال الصحفية بكل اسف جيلاً بعد جيل كانت تضم من يهتف سراً ويعمل على احتقار مؤسسات الدولة المصرية وكان النيل من سيرة قادة مؤسسات الصحف القومية خاصة القادمون من المؤسسة العسكرية هو شغلهم الشاغل عبر الادعاء بأن تلك الروايات الملفقة هى تاريخ صحفى لا يحتمل الخطأ.
والحاصل أن ملف الصحافة المصرية عقب قيام ثورة 23 يوليو 1952 كان فى يد اليوزباشى محمد أنور السادات، على ضوء عمله الصحفى قبل الثورة بدار الهلال وبعض أعداد جريدة السياسة الأسبوعية، ولم تكن وزارة الإرشاد القومى أو وزارة الاعلام لاحقاً لها صلاحيات على قطاع الصحافة فى زمن الوزير فتحى رضوان، ولكن مع تولى صلاح سالم وزارة الإرشاد القومى ما بين عامى 1953 و1958، بدأت صلاحيات صلاح سالم تتمدد إلى ملف الصحافة، خاصة مع تأسيسه الهيئة العامة للاستعلامات وأصبح أول رئيس لها ما بين عامى 1954 و1955 ثم تولى مسئولية الاشراف على قطاع الصحافة بداية من العام 1956 على أن يتم نقل أنور السادات من إدارة قطاع الصحافة الى قطاع الحياة البرلمانية، حيث بدأ اعداده لتولى رئاسة مجلس الأمة وبدأ بالفعل فى حملته الانتخابية وقتذاك.
مع تولى صلاح سالم ملف الصحافة، قام الصاغ المثقف المستنير بحل أغلب مشاكل الصحفيين فى ذلك الوقت، وذلك على ضوء الفوضى، التى ضربت مجال الصحافة عقب قيام الثورة وعدم تفهم بعض الصحفيين للأحوال الوطنية مثل الكاتب إحسان عبد القدوس الذى اقترح فى اجتماع للجمعية العمومية لنقابة الصحفيين اثناء ازمة مارس 1954، أن تصدر نقابة الصحفيين بيان يشجب فيه ما أسماه "الالتفاف على الحريات" ولكن العقلاء بمجلس نقابة الصحفيين رفضوا الاقتراح بالقول إن هذا البيان سوف تستخدمه القوى الدولية والإعلام الأجنبى فى طعن الثورة وسمعة الإدارة المصرية الجديدة والنظام الجمهورى الوليد، وغيرها من المواقف الطفولية غير المسؤولية التى حاول بعض الصحفيين ان يعيدوا بها عقارب الساعة الى الوراء دونما استيعاب للمعطيات الوطنية وأن الحسابات الصحفية التى كانت تليق بالعصر البائد لا يمكن ان تليق بالقضايا الوطنية التى يباشرها الضباط الاحرار.
أما قصة تولى الراحل أحمد بهاء الدين رئاسة تحرير جريدة الشعب، فإن الأجيال الماضية من الصحفيين تتذكر قيماً واعرافاً لا يعرفها الأجيال الحديثة، التى لم تر جريدة جديدة تنجح قطـ، ولكنها شهدت تجارب فاشلة تغلق يوما بعد يوم، مثل صحف "التحرير" و"الطريق" و"اليوم الجديد"، فالأجيال الجديدة لم تر كيف تؤسس جريدة ورقية بشكل صحيح كما كان يجرى زهاء مئة عام فى الصحافة المصرية.
والحاصل أن المشرف العام، أو صاحب الامتياز، أو رئيس مجلس الإدارة، أو حتى رئيس تحرير الصحيفة الرئيسية فى المؤسسة، هو الذى كان يرأس تحرير جريدة الجديدة لفترة من الوقت، ثم يسلمها إلى رئيس تحرير آخر، وقد فعلها مصطفى امين مع كل إصدارات مؤسسة أخبار اليوم التى صدرت فى الأربعينات والخمسينات قبل قانون تنظيم الصحافة عام 1960، ولاحقاً ترأس إبراهيم نافع رئيس مجلس إدارة، ورئيس تحرير الأهرام رئاسة تحرير كلاً من "الأهرام الرياضي" و"الأهرام العربى" فى العام الأول لكل إصدار قبل تعيين رئيس التحرير الجديد، وكذا إبراهيم سعدة رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير أخبار اليوم مع إصدارات "أخبار الرياضة" و"أخبار السيارات"، وأخيرا سمير رجب رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير الجمهورية مع إصدارات "حريتى" و"عقيدتى".
لذا حينما كان صلاح سالم مشرفاً ورئيساً لمجلس إدارة جريدتى الجمهورية والشعب، فإن قرار اسناد رئاسة تحرير جريدة الشعب إلى أحمد بهاء الدين لم يكن عقاباً للرجل أو خصماً من رصيده، إذ ان جريدة الجمهورية كانت الأهم وقتذاك فى حسابات الدولة المصرية، وهى الجريدة التى ظلت تحت إدارة صلاح سالم حتى وفاته عام 1962، كما أن صلاح سالم ظل المشرف العام – ما يوازى رئيس مجلس الإدارة فى زمن ما بعد قانون 1960 – على جريدة الشعب حتى أغلقت سنة 1959 حينما قرر الرئيس جمال عبد الناصر الاكتفاء بجريدة الجمهورية، التى كان صلاح سالم قد أصبح رئيس مجلس إدارتها ورئيس تحريرها فى عملية هيكلة للصحف المملوكة للدولة، حيث جرى إلغاء مجلة التحرير بجانب جريدة الشعب أيضا.
وفى زمن كان الشعب يترصص فيه أمام أكشاك الصحف من أجل انتظار الجرائد، كان صلاح سالم هو مبتكر تكتيك طرح العدد اليومى فى وقت متأخر من الليل، وهو أمر ظلت تعمل به الصحافة المصرية حتى اليوم، وكان الغرض من هذا الأسلوب أن يقرأ المواطن صحيفة ثورة 23 يوليو 1952 قبل أى جريدة او مجلة أخرى حتى لو كانت تعمل تحت راية الدولة بأى شكل من الاشكال، اذ كان للأنظمة السابقة ذيول وفلول فى الصحف المملوكة لغير الدولة، وهو وضع تغير بعد قانون عام 1960 المعروف إعلامياً بقانون تأميم الصحافة.
بحلول عام 1959 مع هيكلة الصحف الحكومية، أصبح صلاح سالم الرجل الأول بجريدة الجمهورية وقطاع الصحافة كاملاً، وقد قام بتعيين مجلس رؤساء لتحرير جريدة الجمهورية من اجل الاستفادة من خبرات هؤلاء الصحفيين، وهكذا فإن الصاغ المثقف، أتى بعميد الادب العربى طه حسين رئيساً لتحرير جريدة الجمهورية جنباً إلى جنب مع أسماء أخرى عملت بجانب صلاح سالم نفسه الذى كان رئيساً للتحرير ورئيساً لهذا المجلس الذى لم يتكرر فى تاريخ الصحافة المصرية.
وحينما أغلقت جريدة المصرى، التى امتلكها آل أبو الفتح، محمود أبو الفتح أول نقيب للصحفيين فى مصر واخيه حسين أبو الفتح ثالث نقيب للصحفيين، قام صلاح سالم بشراء مطبعة واملاك جريدة المصرى لتصبح هى مقرات والمطبعة القديمة لدار التحرير الصحفية اليوم، وحينما أغلقت جريدة القاهرة عام 1959، قام بضم رئيس تحريرها وغالبية العمال والصحفيين بها بجريدة الجمهورية حتى تقطع أرزاق العمال والصحفيين والكتاب بتلك الجريدة، فلم يتشرد صحفى او عمال بقطاع الصحافة فى عهده سواء كان وزيراً للإرشاد القومى او رئيساً لهيئة الاستعلامات او رئيساً لمجلس إدارة ثم رئيس تحرير صحف الشعب والجمهورية، واخيراُ حينما اصبح نقيباً للصحفيين.
وحينما بدأ الإعداد لقانون تنظيم الصحافة المصرية، أو قانون التأميم، وكانت له إرهاصات قبل العام 1960 عكس ادعاء بعض الأقلام، اذ إن مصطفى أمين فى بعض كتاباته أشار الى أن فكرة تأميم الصحافة كان موجوداً فى حواراته الشخصية مع الرئيس جمال عبد الناصر طيلة الخمسينات، فإن العقلاء بين الصحفيين، ورجالات الدولة قرروا أن الصحافة يجب أن تمر بمرحلة انتقالية يشرف عليها شخص متفق عليه من الجانبين، وهكذا وقع الاختيار على صلاح سالم للترشح لمنصب نقيب الصحفيين عام 1960، عقب نجاحه فى هيكلة الصحافة الحكومية والنجاح الساحق فى جريدة الجمهورية التى كانت وقتذاك الأعلى مبيعاً على صحف الاهرام والاخبار، فلم تكن جريدة الاهرام مثلاً بما لديها من قلم جبار مثل محمد حسنين هيكل قد لمع نجمها إلا عقب التأميم حينما اصبح هيكل هو الصحفى الأوحد لدى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، كما ان هنالك ارتباط عاطفى جرى بين الشعب العاشق للثورة وأبطالها والزعيم عبد الناصر وجريدة الثورة كما أطلق عليها وقتذاك، ما جعل جريدة الجمهورية ما بين عامى 1953 و1967 هى الأعلى مبيعاً قبل أن تأت حرب يونيو 1967 وتضرب الثقة بين المواطن والإعلام المصرى الى حين.
وبالفعل تولى صلاح سالم منصب نقيب الصحفيين لولاية واحدة، استطاع خلالها الإبحار بنقابة الصحفيين فى عواصف العام الأول لتأميم الصحافة المصرية، والحفاظ على دار التحرير وجريدة الجمهورية من الاهتزازات التى ضربت الوسط الصحفى وقتذاك.
ولكن الضابط الشاب، الذى أصبح مهارة صحفية وإعلامية على مدار سنواته مع الثورة المصرية، قد اعتلت صحته سريعاً، وفى الأشهر الأخيرة من توليه منصب النقيب، كان الصاغ الذى يعرف معنى الواجب يدير النقابة من فراشه بينما أعضاء مجلس نقابة الصحفيين قد جلسوا على مقاعد أمامه، يقود العمل النقابى الصحفى بينما الادباء يقومون بحقنه واحداً تلو الآخر!
توفى صلاح سالم عام 1962، وكان أول ضابط من قادة حركة الضباط الاحرار يغادر عالمنا، وقد تقدم جمال عبد الناصر جنازته الرسمية وقامت الدولة بإطلاق اسمه على أحد أكبر شوارعها الحديثة وقتذاك.
فى تلك الفترة كانت مجموعة مراكز القوى بقيادة على صبرى نائب الرئيس قد بدأت فى الظهور، وكان لها خلاف مع صلاح سالم، وعقب انتهاء الجنازة الرسمية بحضور الرئيس، صدرت توجيهات لنقابة الصحفيين بعدم عمل سرداق عزاء للنقيب الأسبق، وذلك فى اطار مسعى مراكز القوى للهيمنة على قطاع الصحافة.
حينما خرج صلاح سالم من منصب النقيب عام 1961، تولى المنصب رئيس تحرير جريدة الجمهورية الأسبق حسين فهمى ما بين عامى 1961 و1962 فى زمن كانت ولاية النقابة بعمر عام واحد وليس عامين كما جرى لاحقاً حتى اليوم، وفى عام 1962 انتخب شيخ الصحفيين صاحب البطاقة الصحفية رقم واحد حافظ محمود نقيباً للصحفيين بعد أن شغل منصب وكيل النقابة منذ تأسيسها عام 1941 حتى انتخابه نقيباً.
وأمام معاصرة حافظ لتاريخ صلاح سالم مع الصحافة والصحفيين والنقابة، كان مستحيلاً أن تقف الصحفيين موقف الحياد أمام وفاة نقيبهم الأسبق، فالوفاء والقدوة كانت قيم منتشرة فى هذا العصر وفى نفوس صحفيين هذا العصر، وهكذا قرر نقيب الصحفيين أنه إذا كانت التوصيات قد طلبت من النقابة عدم إقامة عزاء لصلاح سالم فأن الصحفيين بشكل فردى يمكن أن ينظموا سرداق عزاء فى شارع عبد الخالق ثروت أمام نقابة الصحفيين.
كان حافظ محمود على وفاق مع الدولة المصرية، وعلى علاقة قديمة مع جمال عبد الناصر ووجيه أباظة وزكريا محيى الدين، ولكن الخلاف كان مع مراكز القوى، وكانت المفاجأة أن السرداق الذى كان مخصصاً للصحفيين قد تحول إلى سرداق شعبي، على ضوء الارتباط العاطفى بين الشعب وقتذاك والضباط الأحرار خاصة الضابط الشاب الشهير بنظارته السوداء، حيث تقاطر الشعب على السرداق رغم عدم الإعلان عن موعده ولكن ما إن تم نصب الصوان ومعرفة اسم الراحل حتى تجمع الحضور من كل شوارع وسط البلد فى مشهد لاقى استحسان من الرئيس جمال عبد الناصر وأثار غيظ مراكز القوى.
تلك كانت صفحة صلاح سالم فى تاريخ الصحافة المصرية، وكان الصحفيون هم الأكثر وفاء لصلاح سالم عن الكثير من رفاقه ممن أعمتهم القوة، حينما أصبحوا مراكزا للقوى، ولكن بكل أسف فإن بعض الأقلام اليوم تحاول أن تسحب من الصحفيين شرف ونقاء الوفاء ومحاولة الطعن فى صلاح سالم نقيب الصحفيين الأسبق من أجل الإساءة للمؤسسة العسكرية التى تشرف بالانتماء اليها، والتى أثبتت عبر صلاح سالم ومن قبله أنور السادات أنها مؤسسة قادرة على تقديم صحفيين لهم باع فى تأسيس الصحف والكتابة الصحفية وإدارة المؤسسات الصحفية وصولاً إلى منصب نقيب الصحفيين والحفاظ بل الذود عن الحصن النقابى للصحافة والصحفيين.