البث المباشر الراديو 9090
إيهاب عمر
فى وقت لاحق من العام 2011، وبينما بريطانيا وفرنسا يتقاسمان غنائم سقوط الجماهيرية الليبية ومصرع العقيد معمر القذافى، كانت الاجتماعات تعقد فى الغرب بين ممثلى بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وبعض شبكات المصالح النافذة فى الغرب والعالم، وكان الهدف الوحيد لهذه الاجتماعات هو تصفية النفوذ والدور الفرنسى عالمياً، خصوصا فى إقليم الشام العربى وإقليم غرب إفريقيا.

وخلال بضع اجتماعات بدأت الحرب الأنجلوسكسونية على النفوذ الفرانكفونى عالمياً، وهو حدث ليس بجديد، إذ أن الغرب حتى اليوم يحاول تفكيك إرث الإمبراطورية الفرنسية، ولا يزال التحالف البريطانى الأمريكى الأنجلوسكسونى ينظر بدهشة إلى مزاحمة فرنسا للقوى الدولية دونما النظر إلى حقيقة أن فرنسا خسرت عسكرياً الحرب الألمانية الفرنسية عام 1870 والحرب العالمية الأولى والثانية وأن فى الحروب الثلاث الجيش الألمانى دخل العاصمة الفرنسية باريس قبل أن يتحرك العالم الغربى لنجدة الفرنكوفونية من الإمبراطورية الجرمانية.

كان الإسلام السياسى هو رأس حربة التحالف الأنجلوسكسونى، سواء لعبة توطين الإسلام السياسى فى فرنسا لكسر روحها القومية وحسها الوطنى، أو تحريك جماعات الإسلام السياسى فى وسط وغرب إفريقيا ضد النفوذ الفرنسى فى منطقة الصحراء والساحل وبدء لعبة الانقلابات العسكرية وتحالفات داعش مع الطوارق والقاعدة فى شمال وغرب إفريقيا إلى أن قررت فرنسا بالفعل عام 2021 أن تنسحب عسكرياً من غرب إفريقيا والعمل مع الجهود الأمريكية فى تحالف دولى لمحاربة الإرهاب فى غرب إفريقيا، بعد أن خسرت فرنسا أغلب الأنظمة الإفريقية الموالية لها عبر سلسلة من الانقلابات التى دمرت اقتصاديات تلك الدول الإفريقية.

شبكات المصالح الغربية لا ترى فى فرنسا دولة عظمى، رغم أنها بيت السياسة فى القارة الأوروبية، بينما ألمانيا هى بيت الاقتصاد، وتحاول أوروبا تقليص النفوذ الفرنسى عالمياً حتى يصل إلى نفس منسوب النفوذ الإيطالى، إذ أن الغرب لا يريد عالم متعدد الأقطاب حتى لو كانت تلك الأقطاب أوروبية، إذ يكفى على شبكات المصالح الغربية وجود بريطانيا ممثلة القوى القديمة وأمريكا ممثلة القوى الجديدة إلى جانب ألمانيا خزينة الغرب التى لا تنضب.

ولكن محاولات فرنسا ومن قبلها إيطاليا للعودة إلى الأمجاد الإمبراطورية أمر غير مقبول، وإذا كانت الأحلام الإمبراطورية الإيطالية قد سقطت مع الحرب العالمية الثانية، فإن الرئيس شارل ديجول ولاحقاً جاك شيراك وحالياً إيمانويل ماكرون قد نجحوا فى الحفاظ على الكبرياء الإمبراطورى لباريس.

ولم ينس التحالف الأنجلوسكسونى توظيف استراتيجية الإبادة الثقافية، عبر تشجيع دول شمال غرب إفريقيا وعلى رأسها المغرب، والدول الإفريقية الناطقة بالفرنسية، على أن يتوجهوا إلى استخدام اللغة الإنجليزية بديلاً عن اللغة الفرنسية، واستخدام الثقافة الأمريكية الذراع الطولية للعولمة النيوليبرالية الرأسمالية بدلاً من الثقافة الفرنسية.

والمفارقة أن الدول الإفريقية الناطقة باللغة الفرنسية أو المتأثرة بالثقافة الفرنسية تضم فى طيات نخبتها جناح يرى أن التعاون مع التوجه الأنجلوسكسونى هو أفضل انتقام من إرث الاستعمار الفرنسى.

ولعل رغبة بريطانيا وأمريكا وحتى ألمانيا فى ترك لبنان ينفجر دون تدخل دولى، كان الغرض منه هو سقوط المعادلات الفرنسية لقيام دولة لبنان الكبير عام 1920، وإعادة إنتاج لبنان جديد وفقاً لرؤية التحالف الأنجلوسكسونى، لذا عمدت أمريكا وبريطانيا وألمانيا على ضرب جهود الرئيس ماكرون فى إخراج لبنان من غرفة الإنعاش التى ولجها منذ يناير 2011 حينما سقطت وزارة الرئيس سعد الحريرى الأولى.

وإذا كان القرن الثامن عشر هو قرن فرنسا، والتاسع عشر هو قرن بريطانيا، والقرن العشرين هو قرن الولايات المتحدة الأمريكية، فإن الإمبراطوريات الغربية القديمة لا تزال تتصارع على هوية القرن الحادى والعشرين جنباً إلى جنب مع الإمبراطورية الروسية وإمبراطورية الصين.

هكذا بدأت حرب تفكيك الفرنكوفونية فى طورها الجديد، وتتوجه الأنظار إلى باريس فى أبريل 2022 من أجل متابعة الانتخابات الرئاسية الفرنسية، لمعرفة هوية الفائز ووضع خطط جديدة لمرحلة جديدة فى حرب تفكيك الفرنكوفونية.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز