البث المباشر الراديو 9090
إيهاب عمر
تتعرض الجمهورية البولندية الثالثة لغارات عنيفة من اللاجئين على حدودها مع بلاروسيا، على ضوء استغلال عصابات اللاجئين لقوانين الاتحاد الأوروبى التى تجبر دول الاتحاد على الارتخاء فى التعامل مع الهجرة غير الشرعية واستقبال موجات المهاجرين لتوطينهم فى دول الاتحاد الأوروبى، إذ تحاول تلك العصابات الوصول إلى ألمانيا عبر الحدود البولندية الألمانية المشتركة.

وعلى ضوء قيام الحكومة البولندية بإرسال أكثر من استغاثة إلى بروكسيل العاصمة الإدارية لمنظمة الاتحاد الأوروبى بلا جدوى، اتخذت المحكمة الدستورية البولندية العليا قرارا تاريخيا يوم الخميس 7 أكتوبر 2021 بتعليق بعض قرارات الاتحاد الأوروبى لأنها لا تتفق مع القانون البولندى.

القرار غير المسبوق يمثل تحدى لفكرة قيام الاتحاد الأوروبى وفقا لرؤية شبكات المصالح الغربية التى تدير العولمة الامريكية النيوليبرالية، إذ تصبح الدول مجرد قرى صغيرة فى نظام فيدرالى عالمى وتصبح الحكومات مجرد "عمدة" لهذه القرية دون أن يكون لها سيادة دستورية أو عسكرية أو حكومية باستثناء تنفيذ أوامر حكام الفيدرالية العالمية والتى يمثلها فى هذا الملف الاتحاد الأوروبى.

وتنقسم بولندا مثل أغلب دول الكتلة الشرقية فى زمن الحرب الباردة إلى فريقين، الأول مع أفكار وطنية وقومية، والثانى أوروبى الهوى مع فكرة الالتحاق مع الاتحاد الأوروبى والاندماج الكامل فى فكرة الأمم الأوروبية لصناعة وحدة أوروبية شاملة، ويحكم بولندا حزب القانون والعدالة منذ عام 2015 المنتمى إلى اليمين القومى البولندى، إذ شكلت السيدة "بياتا سيدلو" أول وزارة للحزب ما بين عامى 2015 و2017، ثم شكل نائبها ياروسلاف كاتشينسكى الوزارة البولندية منذ 11 ديسمبر 2017 حتى اليوم.

المعارضة البولندية سارعت بتنظيم تظاهرات هادرة شملت 100 مدينة بولندية بما فى ذلك العاصمة وارسو يوم الأحد 10 أكتوبر 2021، وأعلنوا رفضهم لفكرة الخروج البولندى من الاتحاد الأوروبى "بوليكسيت"، وقد رد رئيس الوزراء البولندى فى وقت لاحق أنه لا يوجد أى أفكار لـ "بوليكسيت" وأن فكرة خروج بولندا من أسرة الأمم الأوروبية أسطورة تروج لها وصنعتها المعارضة.

ياروسلاف كاتشينسكى فى حوار صحفى يوم الأربعاء 20 أكتوبر 2021، قال إن مؤسسات الاتحاد الأوروبى تحاول إحداث تغيير فى السلطة فى بلاده، وأن بروكسل تسعى لحكومة "ذليلة وخاضعة"، مضيفا أن الهدف النهائى للاتحاد الأوروبى هو دولة عظمى، غير ديمقراطية تماما مع "تسلسل هرمى للشعوب، على أساس إعطاء وضع سيادى للبعض، ألمانيا والألمان، على سبيل المثال وليس بولندا والبولنديين".

هنا رئيس الوزراء يكشف عما يدور بذهن "الوطنيين/القوميين" البولنديين، وهو نفس ما دار فى ذهن نظرائهم البريطانيين، من حقيقة أن الاتحاد الأوروبى اصبح فى واقع الأمر هو اتحاد جرمانى، تقوده المانيا وتبسط سيطرتها وتشكل الإمبراطورية الألمانية الأوروبية التى حلم بها أباطرة روما الجرمان ومن بعدهم القياصرة الألمان.

ولدى البولنديين حساسية تاريخية من هيمنة أوروبا عموما وألمانيا على وجه الخصوص على مقادير بلادهم، وكانت بولندا الشيوعية هى مقر حلف وارسو ما بين عامى 1955 و1991، وهو الحلف الشرقى أو النظير السوفيتى للحلف الأمريكى المسمى بحلف الناتو.

وعزز تلك المخاوف أن أكثر الأصوات ردا على قرارات وارسو الأخيرة هى المستشارة الألمانية المنتهية ولايتها انجيلا ميركل إضافة إلى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين وزيرة الدفاع الألمانية سابقا.

إن الخلاف البولندى الأوروبى أو البولندى الألمانى يعيد للواجهة مرة أخرى مصطلح "أوروبا الشرقية"، وأن القارة الأوروبية لم تكن "أوروبا الشرقية" و"أوروبا الغربية فحسب" فهنالك "أوروبا البلقان" و"أوروبا الوسطى" وهنالك "أوروبا الجنوبية" و"أوروبا الشمالية" وحتى "أوروبا البلطيق"، فهذه الدوائر الجغرافية لها خصوصيتها الثقافية والسياسية وعلى ضوء انهيار المركزية الأوروبية ثقافيا وسياسيا على وقع الصوابية السياسية والمد القومى – رغم تعارض هذا مع ذاك – فإن هذه العوامل أدت الى عودة الضوء مرة أخرى إلى الدوائر الجيوسياسية الضيقة بعد سنوات من التعامل مع الدوائر السياسية بنظرة إقليمية موسعة.

للمفارقة فإن رئيس نقابة الشرطة الألمانية قد أرسل رسالة عنيفة إلى وزير الداخلية الألمانى فور بدء غارات اللاجئين على الحدود البلاروسية – البولندية يطالب فيه القيادة السياسية الألمانية بالعمل على تقوية إجراءات الحدود الألمانية البولندية حتى لا يحدث انهيار الحدود الذى جرى بين البلدين "بولندا وألمانيا" أواخر عام 2015 ما تسبب فى اجتياح موجة لاجئين إلى عموم القارة الأوروبية طيلة عام 2016

ورغم أن فكرة الخروج البولندى من الاتحاد الأوروبى مستبعدة على الأقل فى الوقت الحاضر، إلا أن هذا التمرد الذى صنعته وارسو فى أوروبا الوسطى سيكون له ارتدادات فى عموم القارة الأوروبية التى تموج بالحركات السياسية التى تضجر من الوصاية الأبوية للاتحاد الأوروبى عموما وألمانيا على وجه الخصوص.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز