إيهاب عمر
فتحت لى الباب سيدة جميلة وسط فى كل شىء: فى الطول والبدانة وفى ثياب وسط بين "الموضة الجديدة والقديمة" وفى نظر وسط بين النوم واليقظة، يبدو أننى طرقت هذا الباب فى وقت مبكر عن الوعد الذى تنتهى فيه القيلولة ولكن ما حيلتى والأستاذ زكى طليمات هو الذى حدد لى هذا الموعد أشد من هذا الموعد أن السيدة قالت لى إن الأستاذ لم يحضر بعد، لكنه ما دام قد حدد لك هذه الساعة فلابد أنه سيحضر فوراً.
ودخلت الشقة بدعوة منها، وتناولت كوباً من "الجلاس" من صنع يديها، إن "الشغالة" أيضاً كانت نائمة، هذا كله وأنا أحاول أن أتذكر: أين رأيت هذه السيدة من قبل؟! إن صورة وجهها ليست غريبة عن ذهنى، وصوتها ليس غريباً عن أذنى، ليتها تقول من هى.. فإنه من المخجل أن يسأل الإنسان السيدة التى أحسنت استقباله: من حضرتك؟
كان الأولى أن تسألنى هى من أكون؟.. لكنها بدت كريمة إلى درجة التجاوز – ولو مؤقتاً – عن هذا السؤال الذى يبدو أنه كان يشغلها كما يشغلنى، إلى أن انقذ الموقف الأستاذ زكى طليمات بعد دقائق قائلاً: "كنت واثقاَ ـن (روز) ستنسى هذه الدقائق"..
إذن.. فهى السيدة روزاليوسف، زوجة الأستاذ زكى طليمات فى ذلك الحين، كيف لم اتنبه لهذه الحقيقة منذ البداية، هذه مسألة نسأل عنها السيدة روز نفسها، لقد كانت فى البيت شيئاً يختلف تماماً عن الصورة التى كنا نراها على المسرح ونحن طلاب، كانت تبدو فى بيتها عروساً خجولاً متحشمة ولكن هذا الخجل قد سقط دفعة واحدة بعد أن أطلعها زكى طليمات على الصحيفة المسائية التى جاء بها معه، لقد كان فى هذه الصحيفة حديث لزعيم الوفد مصطفى النحاس باشا، وكان فى هذا الحديث تعريض ببعض ما تنشره مجلة "روزاليوسف" التى كانت تعتبر حتى هذه اللحظة مجلة وفدية!
ألقت روزاليوسف الصحيفة على الأرض وبدا صوتها يرتفع باللوم والاحتجاج والنقد العنيف لمصطفى النحاس وكأنه واقف أمامها تناقشه ويناقشها، ورغب زكى طليمات أن يهدئ من عصبيتها فقال لها: "مالك أنتِ والنحاس.. اطلبى مكرم عبيد سكرتير الحزب فى التليفون، وصفى معه هذا الموضوع".
ومدت روزاليوسف يديها إلى التليفون وطلبت رقماً، لكنه لم يكن رقم مكرم عبيد، بل رقم عباس محمود العقاد، وبدأت تتكلم كما لو أنها لم تثر منذ لحظة، بل ولا منذ ولدت، وكان الكلام يدور حول التحول بمجلة روزاليوسف إلى جريدة يومية تعارض مصطفى النحاس ويكتب افتتاحيتها العقاد، ووضعت روزاليوسف سماعة التليفون، ثم رفعتها لتطلب رقماً آخر، وكان هذه المرة رقم محمود عزمى، وتحدثت إليه فى نفس المشروع، وأخذت موافقة الصحفيين العظيمين على أن يعملا معها.
هذا كله وزكى طليمات فاغر فاه من الدهشة، ينتظر انتهاء مكالمتها ليقول لها: “كيف لم تقولى لى عن هذا المشروع من قبل".. فابتسمت وهى تقول:"وأين كان من قبل هذا.. إننا سنبدأ من جديد".
وبدأت روزاليوسف أخطر مرحلة فى حياتها الصحفية.
بدأت روزاليوسف المرحلة الأولى يوم اختلفت مع يوسف وهبى حيث كانت تعمل بطلة لفرقته المسرحية، فحسمت هذا الخلاف بالاستقالة، لكن كيف كانت الفنانة الشابة الشهيرة الجميلة تستطيع ان تختفى فجأة من الأضواء؟.. لم يكن هناك مسرح إلى مستوى من مسرح رمسيس الذى أسسه يوسف وهبى لتنضم إليه وهى الممثلة العربية الأولى بغير منازع، ولم يبق الكرم والإسراف فى صدر حياتها العامة مالا فى يديها تستطيع أن تستعين به على إنشاء فرقة جديدة، وقد كان إنشاء هذه الفرقة أمرا يسيرا عليها لو أنها مدت يديها للمعجبين، لكن روزاليوسف نشأت فى هذه الدنيا لا تعتمد على أحد، لقد واجهها الزمن وواجهته بالاعتماد على نفسها منذ طفولتها، منذ كانت فى العاشرة من عمرها، فكيف تعتمد الآن على الغير وقد غدت ألمع نجوم الفن فى حينها؟!
كان لابد من بديل، وكان هذا البديل هو أن تنشىء صحيفة أسبوعية ترسى فيها قواعد الفن كما تراها، ولعل هذا هو السر فى اختيار اسمها بالذات ليكون اسم المجلة، لقد كانت مجلة يحررها الهواة: أحمد رامى يكتب فى الأدب والشعر والقصة، ومحمد التابعى يكتب لى النقد، أما بقية المواد التى كانت تنصب على المسرح وما إليه فقد كانت تطوع نفسها لمجلة روزاليوسف التى اتخذت مقراً لها بغرفة من مسكن صاحبة المجلة بشارع جلال على بعد سنتيمترات من دار الجمهورية للطبع والنشر حالياً، أى فى مواجهة كل مسارح القاهرة بشارع عماد الدين.
كانت المجلة بالنسبة لصاحبتها مسرحاً، هو المسرح الذى كانت تحلم به روزاليوسف فى فجر صباها، المسرح الذى يختال فيه عمالقة الفن جنبا إلى جنب مع عمالقة الأدب والشعر والنقد.
فجأة دخل هذا المسرح، مسرح روزاليوسف، مؤلف جديد، أو نوع جديد، وكان هذا المؤلف هو مكرم عبيد باشا، سكرتير الوفد أو الشريك الأول فى القيادة الوفدية منذ وفاة سعد زغلول.
كان مكرم عبيد يحلم بمجلة وفدية على غرار مجلة الكشكول التى تخاطب القراء بالكاريكاتير رسماً وخبراً ومقالاً، ولقد أخرج حافظ عوض بك صاحب جريدة كوكب الشرق مجلة من هذا الطراز بعنوان "خيال الظل" ولم تنجح، ولكن حافظ عوض الذى كان من قبل سكرتيراً للخديو شىء ومحمد التابعى محرر روزاليوسف شىء آخر.
لقد كان التابعى شريكاً فى الأسلوب لعبد المجيد حلمى الذى أنشا أول مجلة نقد للمسرح، وكان اسمها مجلة المسرح، هذا الأسلوب اللاذع – ماذا لو انتقال من فن النقد المسرحى إلى فن النقد السياسى؟
لقد نجح مكرم عبيد فى أن يجعل هذه الفكرة تثبت فى ذهن التابعى محرر روزاليوسف، فإذا بالمجلة تنقلب فجأة من مجلة فنية بحتة إلى مجلة سياسية بحتة، ولم يكن هذا الانقلاب انقلابا فى أسلوب المجلة فقط، بل كان انقلابا فى توزيعها الذى أخذ يتضاعف أسبوعا بعد أسبوع.
وفجأة وجدت السيدة روزاليوسف نفسها، فقد كان نبوغها فى التمثيل يخفى ورائه عاطفة وطنية جياشة وكانت روجها الفتية تحمل من ألوان القدرات قدرات على الإدارة، وكما أخلصت روزاليوسف لكل دور قامت به فى الفن كذلك أخلصت روزاليوسف لكل دور قامت به فى السياسة والصحافة معاً.
لقد أخلصت لهذا الدور إلى درجة أن الأربعة عشر ألف جنيه التى استطاعت تكونها فى سبع سنين من دخل مجلة روزاليوسف السياسية الأسبوعية قد ألقت بها دفعة واحدة فى مشروعها الجديد، مشروع روزاليوسف اليومية التى ظهرت فى سماء السياسة بلمعان غريب كما تلمع النيازك سريعاً وتحتفى سريعاً!
ولأول مرة تتحرك قيادة حزب الأغلبية ضد جريدة، كان الفصل صيفاً فدعا الوفد أعضائه للحضور من المصايف وانعقد اجتماع قصير تقرر فيه اأن جريدة "روزاليوسف" قد فصلت من الوفد!
وليس هناك شك أن إذاعة هذا القرار، بالصورة التى أذيع بها، وأن كان قد زاد فى توزيع روزاليوسف اليومية، إلا أنه جعل عملائها يتخوفون من أن يمدوا أيديهم إليها، ولم يمض شهر وبضع شهر حتى توقفت هذه الجريدة عن الصدور بعد حملات متواصلة اشتركت فيها مظاهرات الشبيبة الوفدية ضد الجريدة!
والذين يكتبون تاريخ الصحافة يخطئون حين يردون توقف جريدة روزاليوسف اليومية إلى موقف الوفد منها فقط، لقد كان هذا هو ظاهر الأمور، أما باطنها الذى آن للتاريخ الصحفى أن يسجله، هو أن بعض الصحف الأخرى قد أحست بخطر هذه الجريدة الناشئة عليها، وقد تدخل هذا البعض فضرب روزاليوسف اليوم فى الخفاء عن طريقى الإعلان والتوزيع.
ولكن.. كيف واجهت هذه السيدة الجميلة هذه المحنة القبيحة؟
لقد كانت فاطمة اليوسف تحمل روحاً نضالية تكفى لعشرة رجال، إنها بعد كارثة روزاليوسف اليوم تبدأ من الصفر، فتستعيد شتات مجلتها الأسبوعية وبأيد فتية جديدة، فلا كبار الكتاب ولا كبار المديرين، كل كبير كان يريد أجره وصاحبة المجلة ذاتها لا تجد من يعطيها أجرها، التف حولها عدد قليل من الشباب المتطوعين تقريباً، وبهذا النفر القليل من الأيدى الصغيرة عادت روزاليوسف الأسبوعية إلى الظهور وكأن شيئاً خطيراً لم يطرأ على حياتها من قبل!
وليس شك أن الظروف السياسية قد ساعدت روزاليوسف على الخروج من هذه المحمة بخروج بعض أقطاب الوفد عن الوفد، ولم يكن أمام أولئك المنشقين متنفس إلا من نافذة روزاليوسف.
وظلت روزاليوسف السيدة والمجلة تعيش بلا هزات عنيف، لا إلى أعلى ولا إلى أسفل، إلى أن كانت سنة 1942، حيث بدأت محنة روزاليوسف الثالثة، لكنها المحنة التى رفعتها إلى المجد.
وتبدأ القصة برسم من ريشة عميد رسامى الكاريكاتير الصديق محمد رخا، كان الرسم عبارة عن صورة للترام رقم 12 الذى يمر بلاظوغلى إلى ميدان السيدة زينب وقد علته لافتة مكتوب عليها "السيدة زينب" وكل الركاب يتطلعون إلى هذه اللافتة.
وفسر المفسرون هذا الرسم على أنه تعريض بالسيدة زينب حرم زعيم الوفد الذى كان قد تولى الحكم، وأصبحت حرمه بطبيعة الحال من ذوات النفوذ، كان هذا الرسم بتفسيره "القشة التى قصمت ظهر البعير" فقد كانت الرقابة على الصحافة سنة 1942 قد ضاقت بالحيل التى برعت فيها مجلة روزاليوسف لنشر لذعاتها ضد حكومة النحاس رغم وجود الرقابة، وفجأة وجدت السيدة روزاليوسف نفسها كمن انسحاب الكرسى من تحته، فلم يبق موردا واحدا لم ينقطع عن المجلة.
وهنا ظهرت الشخصية الحقيقية لفاطمة يوسف، لقد باعت سيارتها وأنفقت ثمنها على المجلة، أما هى، وهى السيدة المرفهة التى بلغت آنذاك صحوة العمر، فقد كانت تسير على قدميها من دار روزاليوسف بحى الإنشا إلى ميدان المحطة لتستقل قطار المصرية حيث كان مسكنها.
وصفت هذه الحالة لزعماء المعارضة إذ ذاك، وكانوا ثلاثة، فقرر كل حزب منهم أن يمد مجلة روزاليوسف بخمسين جنيهاً شهرياً، وكنت أحمل المئة والخمسين جنيهاً فى أول كل الشهر إلى السيدة فاطمة يوسف سراً، فإن هذا المبلغ لم يكن يكفى نفقات المجلة لأسبوع واحد فى الشهر.
وكما أن روزاليوسف موجهة ممتازة لشباب المحررين فى مجلتها، كذلك كانت السيدة روزاليوسف موجهة ممتازة للإداريين فى المجلة وكل الذى كانوا يراقبون الكفاح الصحفى لروز اليوسف كانوا يشعرون أن نجاح هذه المجلة لم يكن يرجع إلى الأقلام التى اجتمعت فيها بقدر ما كان يرجع إلى توجيه هذه السيدة.
وكان من توجيهاتها الإدارية إحصاء الخسائر التى لحقت بها منذ تولى النحاس باشا الحكم فى 4 فبراير 1942 إلى 8 أكتوبر 1944، كأنها كانت تتنبأ بما سيحدث بعده، فقد أتيحت الفرصة بعد ذلك لتعويض كل من إصابته خسارة فى زمن وزارة النحاس، ومن هذا التعويض وضعت روزاليوسف أساس الدار الجديدة الشامخة التى تطل على شارع قصر العينى اليوم، وبدأت فى بنائها، لكن الأجل وافاها قبل أن تتم البناء.
كانت يومئذ تعاند المرض كما كانت تعاند كل شىء فى حياتها، فذهبت إلى إحدى دور العرض السينمائى فى الساعة الثالثة بعد الظهر، وقبل أن ينهى عرض الفيلم أحست فاطمة يسوف بنهايتها، فانصرفت عن دار السينما حتى وصلت إلى دارها، وأخذت تودع كل من كان فى الدار ثم أسلمت روحها.
وكما دخلت فاطمة عتبة هذه الحياة وحيدة بشجاعة، خرجت منها وحيدة بشجاعة، وكما دخلت هذه الحياة من باب الفن، كان الفن هو ما ألقت عليه آخر نظرة فى حياتها.