البث المباشر الراديو 9090
إيهاب عمر
كان العراق من أوائل المجتمعات والشعوب التى وصلها الدين المسيحى واعتنقه إيماناً برسالته، إذ أن الملك أبجر الخامس "أبجر الأسود" حاكم مملكة الرها "أجزاء من سوريا وتركيا اليوم" حينما علم بثورة المسيح فى أورشليم، قد أرسل له رسولاً يدعوه إلى السكن بالرها ونشر المسيحية بالمملكة العراقية بل وأعد الملك بالفعل بيتاً لـ عيسى بن مريم، ولكن المسيح أرسل تلميذه "مار أدى" إلى ملك الرها، حيث اعتنق الملك الديانة المسيحية، وما هى إلا بضع سنوات وأصبحت المسيحية هى الديانة الرسمية للبلاد.

صدّرت الرها الدين المسيحى إلى العراق المجاور، لتصبح الرها مصدر المسيحية السريانية، وعلى مدار التاريخ أنتج العراق كنائس أشورية وكلدانية وسريانية، إلى جانب قومية الأرمن، والكنائس الغربية الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية التى وجدت لها مكانا هامشيا فى العراق، ورغم أن الصابئة المندائيين ديانة مستقلة عن المسيحية إلا أنها الأقرب إلى التراث المسيحى العراقى.

وحينما قامت مملكة الحيرة العراقية، كانت مملكة سريانية مسيحية خالصة، أهملها المؤرخين العرب والمسلمين عمداً لطمس التاريخ المسيحى العراقى قبل العصر الإسلامى.

ويذكر المفكر العراقى فاضل الربيعى فى كتابه "المسيح العربى"، أن الدين المسيحى قد مر بمرحلتين، الأولى حينما انطلق غرباً واختلط بالحضارة اليونانية وفلسفتها قبل أن ينتج كنائس الغرب، والمرحلة الثانية هى وصوله إلى الرها والحيرة دون التأثر بالفلسفة والفكر اليونانى.

ولعل هذا هو أحد أهم أسباب الخلاف بين كنائس الشرق والغرب، بل ورغبة الغرب فى تدمير كنائس الشرق وتركها تحت إرهاب الإسلاميين فى زمن الربيع العربى وما قبله، إذ ترك الغرب بيزنطة وكنيستها الأرثوذكسية أمام غزو السلاجقة ثم العثمانيين، وترك الكنائس النسطورية تندثر، ولاحقاً مذابح سيفو عام 1915 التى قامت بها الجيوش العثمانية والعشائر الكردية بحق المسيحيين السريان والأشوريين والكلدان ما أدى إلى إبادة نصف مليون مسيحى وتهجيرهم من بلادهم، وكان الغرض العثمانى الكردى وسط تواطؤ غربى هو إلغاء الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية وكنيسة المشرق الآشورية والكنيسة السريانية الأرثوذكسية والكنيسة السريانية الكاثوليكية.

ومع وصول الاحتلال البريطانى إلى العراق، بدأت بريطانيا فى دعم الجهود العراقية الملكية لمحو التواجد المسيحى الآشورى فى الموصل وتحديداً نينوى، وهكذا وقعت مذبحة سميل عام 1933 لمحو التواجد الآشورى فى 63 قرية بالموصل (محافظتى دهوك ونينوى اليوم)، رغم أن بريطانيا قد أسست الفيلق الآشورى من أجل حماية تلك المناطق والتعاون العسكرى مع الاحتلال البريطانى فى شمال العراق وتحديداً الموصل، ولكن لندن باعت حلفاءها لاحقاً.

وإذا كان المسيحيون العراقيون قد عانوا من مذابح حكام العراق العثمانى وحكام العراق الملكى الهامشى تحت الاحتلال البريطانى، فإن صعود القومية العربية والتيار الناصرى وحزب البعث العربى الاشتراكى والشيوعيين العرب لحكم العراق الجمهورى قد أدى إلى حملة "تعريب" ضخمة للمسيحيين العراقيين، رغم أن الثقافة السريانية والآشورية والكلدانية ليست عربية بطبيعة الحال، حتى لو تحدث مسيحيو العراق باللغة العربية فهذا لا يعنى أنهم عرب.

بدأت سياسة تعريب الكلدان والآشوريين والسريان فى سبعينيات القرن العشرين فى زمن الرئيس أحمد حسن البكر، واستمرت فى زمن الرئيس صدام حسين، ورغم ذلك فإن تلك السنوات شهدت صعودا سياسيا للمسيحيين العراقيين وصلت إلى تولى الكلدانى طارق عزيز، منصب نائب رئيس الوزراء، حيث أصبح يطلق عليه فى الأوساط الإعلامية والسياسية نائب الرئيس العراقى على ضوء تولى رئيس العراق لمنصب رئيس الوزراء فى تلك السنوات.

ومع بدء الاحتلال الأمريكى والغربى للعراق عام 2003، وقف التحالف الدولى صامتاً بقيادة بريطانيا وأمريكا وأستراليا أمام مذابح الميلشيات بحق المسيحيين والصابئة، وهجوم الميلشيات على الكنائس وتصفيتها، وصولاً إلى تأسيس داعش فى العراق وبدأ المحو الشامل للمسيحيين فى سهل نينوى وتصفية هذا الوجود التاريخى فى الموصل.

ولقد وقفت حكومات العراق، سواء إبراهيم الجعفرى أو نورى المالكى، موقف المتفرج على تلك الهجمات، إذ تشير الأرقام إلى أن 90% من مسيحيى العراق قد هاجروا خارج البلاد بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003 وبدء الاحتلال الأمريكى الإيرانى للبلاد.

ومع ذلك كافح مسيحيو العراق من أجل الحصول على كوتة بالبرلمان العراقى مع بشائر الديمقراطية الأمريكية، وتأسست الأحزاب الآشورية والسريانية، ولكن الغرب سارع بدعم مخطط إيرانى لتشكيل أحزاب مسيحية موالية لطهران ومشروعها بالعراق، وكانت مفاجأة الانتخابات العراقية 2021 أن حركة "بابليون" المقربة من طهران والحشد الشعبى الموالى لمكتب المرشد الإيرانى قد حصلت على كل مقاعد المسيحيين بالعراق، ما جعل 7 أحزاب مسيحية عراقية سيطرت على العمل السياسى المسيحى منذ عام 2003 أن تبدى اعتراضها على سيطرة حركة واحدة للمرة الأولى منذ عام 2003 على مقاعد المسيحيين وأيضاً حقيقة أن تلك المقاعد قد حسمت بأصوات غير المسيحيين وعبر أصوات موالية للأحزاب الشيعية الموالية بدورها إلى إيران!

الأحزاب المسيحية الرئيسية السبعة فى العراق، هى "اتحاد بين نهرين" و"المجلس القومى الكلدانى" و"حركة تجمع السريان"، إلى جانب "الاتحاد الديموقراطى" و"تيار شلاما" و"ائتلاف حمورابى" و"المنظمة الآشورية".

وبحسب الدستور والقوانين الانتخابية العراقية، فإن الأقليات الدينية فى العراق تحصل على كوتة برلمانية محددة فى البرلمان، هى تسعة مقاعد من أصل 329 مقعداً، بواقع خمسة مقاعد للمسيحيين، ومقعد واحد لكل من الأيزيديين والشبك والصابئة المندائيين والكرد الفيليين.

هكذا تكتمل المؤامرة الغربية على الكنائس الشرقية، خصوصا كنائس العراق والشام ولبنان وفلسطين، حيث الغرض من كل هذا هو حرب إلغاء شاملة، تؤدى إلى هدم وإلغاء تلك الكنائس وتهجير أبنائها إلى الغرب، حيث يدخلون إلى كنائس الغرب وينتهى هذا الوجود المسيحى المؤرق للغرب منذ مئات السنين، مؤامرة بدأت بالغزو الأوروبى للشام باسم الحملات الصليبية يوم منعوا دخول مسيحيى الكنائس الشرقية إلى القدس طيلة سنوات الاحتلال الصليبى، ثم لاحقاً استخدام السلاجقة والعثمانيين والكرد والعراقيين والقومية العربية، وأخيراً الإسلام السياسى عبر داعش والقاعدة والإخوان وإيران.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز