البث المباشر الراديو 9090
محمود بسيونى
بافتتاح مركز الإصلاح والتأهيل المجتمعى بوادى النطرون، تودع مصر صورة السجون النمطية، وما نسجته حولها الدراما والتقارير الحقوقية "المسيسة" من صور قاسية ومخيفة، وتنتقل إلى آفاق أخرى تحترم المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

وتتخطى تلك المعايير، لتصنع نموذجًا مصريًا معبرًا عن فلسفة عقابية جديدة تتبناها الدولة المصرية فى سياق تنفيذها للاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، والتى أطلقها الرئيس عبدالفتاح السيسى، وعبرت عن انحياز الجمهورية الجديدة لحقوق الإنسان بمفهومها الشامل والمستمد من قيم المجتمع المصرى.

رأينا فى مركز الإصلاح والتأهيل، قرار الدولة المصرية بتحويل فترة العقوبة من نهاية الحياة إلى فرصة ثانية فى الحياة للمحتجزين، وتحويلها إلى فترة للاستثمار فى البشر، وإعادة تأهيل الإنسان إلى الحياة عقب الخروج بتعليمه الحرف اليدوية والفنون ومحو أميته، بل يمكنه الإنفاق على أسرته من خلال عمله بمناطق التأهيل والإنتاج، حيث تمتد داخل المركز مساحات الزراعات المفتوحة والمصانع والورش الإنتاجية، ويتم بيع منتجات المركز فى الأسواق والمعارض، ويتم تخصيص العائد المالى للنزيل وتوجيه هذا العائد حسب رغبته، فإما تحويل العائد أو جزء منه لأسرته أو الاحتفاظ به عقب قضاء العقوبة.

مركز الإصلاح والتأهيل فى وادى النطرون، سيكون الأول بين 12 مركزًا يجرى العمل بها بعد إغلاق 12 سجنا تمثل 25% من إجمالى عدد السجون العمومية فى مصر، ولن تتحمل الموازنة العامة للدولة أية أعباء لإنشاء وإدارة مراكز الإصلاح والتأهيل الجديدة، لا سيما وأن القيمة الاستثمارية لمواقع السجون العمومية المقرر غلقها تفوق تكلفة إنشاء تلك المراكز، وهى نظرة معتبرة من جانب الدولة لإنجاز تلك المراكز بهذه الجودة العالية دون إزهاق الموازنة العامة.

وعلى المستوى الرمزى، قررت الدولة التخلص من عبء مسمى أو مصطلح السجون إلى مركز للإصلاح والتأهيل، بل وتعديل مسمى قطاع السجون ليصبح "قطاع الحماية المجتمعية"، وهى إشارة بالغة الدلالة على عزم الدولة المصرية على ترسيخ قيم ومبادئ حقوق الإنسان، بل وتقدمت وزارة الداخلية بمشروع قانون لتعديل بعض أحكام قانون السجون والقوانين ذات الصلة لتحويل السجون إلى مراكز الإصلاح والتأهيل المجتمعى.

لتلك التعديلات أهمية كبيرة فى تأسيس السلام الاجتماعى وتقليل المخاطر الأمنية على المدى الطويل، وتتخلص مصر من فكرة أن تتحول فترة السجن الصعبة إلى مفرخة للمجرمين عقب الخروج والعمل، على تمكين النزلاء من الاندماج الإيجابى فى المجتمع عقب قضائهم فترة العقوبة من منطلق أحقية المحكوم عليهم بألا يعاقبوا على جرمهم مرتين حتى لا تتوقف الحياة بهم وبأسرهم عند ذنب اقترفوه.

ما تشهده أوضاع الاحتجاز فى مصر من تطورات إيجابية يجب ألا تكون محلاً للتشكيك أو التندر أو السخرية كما يحلوا لبعض الموتورين على وسائل التواصل الاجتماعى، بل هى فعل إيجابى يجب تحية القائمين عليه، بل تعتبر دليلًا على احترام الدولة لكل المصريين وعزمها على توفير الحياة الكريمة للجميع وإنهاء فكرة الوصمة الاجتماعية التى تلتصق بالمحتجز لتصبح فرصة جديدة للحياة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز