اللواء دكتور محسن الفحام
بيد أن هذا الحادث جعلنا نتوقف لنتساءل من هى القوى الداخلية والخارجية التى لا تريد للعراق الأمن والاستقرار؟
إن تلك المحاولة تؤكد أن هناك من لا يريد الخير للعراق وشعبه، خاصة وأن الأسلوب المستخدم فيها كان أسلوبا غير تقليدى بل كان من خلال وسائل مستحدثة عن طريق ثلاثة طائرات مسيرة، استهدفت مقر إقامة رئيس الوزراء الكاظمى فى أكثر المناطق أمنا وتأمينا فى العاصمة بغداد، وهى ما يطلق عليها "المنطقة الخضراء"، خاصة أن هذا الحادث جاء فى أعقاب اشتباكات عنيفة أوقعت 125 جريحا على حدود تلك المنطقة، عندما حاول بعض المتظاهرين العراقيين اقتحامها.
لقد تولى مصطفى الكاظمى رئاسة الوزراء فى العراق، فى توقيت حساس للغاية، خاصة عندما رفعت الولايات المتحدة الأمريكية يدها عن تأمينها بعد عقدين من الزمن سيطرت فيها على جميع مفاصل الدولة العراقية.
وبعد أن زرعت فيها الفتنة بين ابناء الشعب العراقى وقامت بتقسيمهم إلى شيعة وسنة وأكراد وإيزيدين ومسيحين، فى حين إننا لم نكن نسمع عن تلك التقسيمات البغيضة قبل الغزو الأمريكى للعراق الشقيق.
وتمكن الكاظمى من إجراء انتخابات نزيهة أفرزت واقعا سياسيا جديدا ترفضه بعض الكيانات والكتل السياسية هناك، وتصر على رفضها عن تلك النتائج، وطالبوا بإعادة فرز كامل الأصوات بعد تعرض التحالف الشيعى الممثل للحشد الشعبى لخسارة مدوية أفقدته تلت عدد نوابه فى البرلمان وراح هؤلاء يهددون بنشر الفوضى عبر استخدام الطائرات المسيرة وهو ما تم بالفعل فى الآونة الأخيرة داخل العراق لتحقيق أغراض سياسية مستهدفين المصالح الأجنبية والقواعد العسكرية ومطار أربيل وغيرها.
ولعل النجاح الذى حققه الكاظمى منذ توليه إدارة شئون البلاد فى الداخل، وأيضا تحسين صورة العراق فى الخارج، من خلال استخدام سلاح الإقناع والحوار والتجاوب مع مطالب الشعب العراقى نفسه لاختيار ممثليه فى مجلسهم النيابى.
ومن ناحية أخرى فقد قدم الكاظمى العراق للخارج كجسر بين القوى الإقليمية وأرض حوار وشراكة ومشروع استقرار فى منطقة نزفت على مدار سنوات وتخلفت عن ركب العالم الملتحق بقطار التقدم والثورات التكنولوجية المتلاحقة، وبالتناغم مع توجهات الرئيس العراقى برهم صالح، وبالاستعانة برصيد العراق لدى العرب والعالم، راح يحاول نسج علاقات "عراقية – عربية"، و"عراقية – دولية".
كل هذا جعل المليشيات المترامية فى أنحاء الأراضى العراقية، والتى تهدف إلى ترسيخ فكرة "الساحة العراقية"، بدلا من "الدولة العراقية" - حيث يعنى هذا المصطلح أن جميع الخيارات موجودة والتدخلات مستباحة سواء بالأسلحة أو الانقلابات الإقليمية، فى حين أن الكاظمى يسعى إلى عودة الروح للعراق الدولة بكل ما يتطلبه ذلك من فرض الاستقرار والاستثمار والازدهار، جعلها تشعر بالقلق على تواجدها ونفوذها وتأثير قدرتها على خلخلة الأوضاع فى الداخل العراقى، خاصة أن الأجهزة الأمنية هناك بدأت تستعيد قوتها وهيبتها وسيطرتها على الأوضاع الداخلية فى العراق، ونجحت فى التصدى للعديد من محاولات فرض العنف والشغب والمظاهرات ومحاولات اقتحام المنطقة الخضراء الآمنة، بل إنها أيضا نجحت فى تأمين العملية الانتخابية، حيث جاءت النتيجة مخيبة لآمال قوى المعارضة المأجورة والعميلة لمن يريد استقرار العراق الشقيق وعودته لقوته الاقتصادية والإقليمية، فبدأت فى القيام بعدة عمليات تخريبية وإرهابية، لترهيب الشعب العراقى الذى استوعب الدرس، وأعلن عن رغبته فى تحقيق حياة الاستقرار والتطور والأمن والأمان.
لكل هذه المعطيات كانت مصر من أوائل الدول التى أعلنت تضامنها مع العراق منذ تولى مصطفى الكاظمى، إدارة الدولة العراقية حكومة وشعبا.
وتعددت زيارات المسؤولين بين البلدين فى مختلف المجالات، وتعهدت مصر بالمشاركة فى إعادة إعمار العراق، وتوجت تلك الزيارات بلقاءات واتفاقيات شراكة بين القيادة السياسية فى مصر والعراق.
وانضمت الأردن إلى ذلك التحالف الاستراتيجى الذى، ولا شك سوف يخدم المنطقة بكاملها، وننتظر أن تنضم سوريا قريبا لهذا التحالف.
ولعل اهتمام الرئيس عبد الفتاح السيسى بهذا التقارب، وتلك الشراكة لا ينبثق من كونه تحالف اقتصادى فقط بل، وإنه على علم كامل بوجود تنظيمات إرهابية هناك تشكل خطرا على الأمن القومى العربى بصفة عامة والعراقى والمصرى بصفة خاصة، حيث إن هناك أعدادا كبيرة من المصريين المقيمين فى العراق تشير المعلومات إلى أنهم تم استقطابهم للانضمام إلى تنظيم داعش وغيره من التنظيمات التى تشكل مصدر خطورة على المنطقة بأسرها.
من ناحية أخرى فإن التقارب المصرى مع العراق، بات يشكل نافذة أمل وسعادة واطمئنان للشعب العراقى، وليس أدل على ذلك من مشاركة العديد من الفنانين المصريين مؤخرا فى مهرجان بابل بالعراق فى ذات توقيت محاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقى.
وكان وعلى رأسهم الفنان الكبير هانى شاكر والدكتورة رانيا يحيى عازفة الفلوت، وبعض فرق الفنون الشعبية المصرية، والذى استمر المهرجان 5 أيام كان خلالها عدد الحضور يتجاوز 20 ألف مواطن عراقى يوميا فى مظاهرة حب وتقدير لمشاركة الفن والثقافة المصرية.
إن مصر تريد لعراقنا الشقيق الأمن والسلام والاستقرار، حتى يعود كما كان قوة فاعلة ومؤثرة فى محيطنا العربى والإقليمى، ونحن على يقين أن الرئيس عبد الفتاح السيسى، لن يألوا جهدا فى مساندة العراق حتى يتحقق له هذا الأمل والهدف بإذن الله.. وتحيا مصر.