البث المباشر الراديو 9090
إيهاب عمر
كنت سعيد الحظ بوجودى عضوا فى فريق العمل المكلف من قبل قناة CBC Extra News لإجراء حوار مع قداسة البابا تواضروس الثانى، يوم الثلاثاء 9 نوفمبر 2021 فى مقر الكاتدرائية المرقسية بحى العباسية، هذه الكاتدرائية الوطنية العريقة التى حاول العدو النيل منها عبر غلمان تنظيم الإخوان فى إبريل 2013.

ومنذ دخولى المقر الباباوى، شعرت بهدوء يتسلل إلى نفسى لم أعهده منذ فترة طويلة، حتى تمنيت أن يطيل الزملاء العمل على ترتيبات ما قبل اللقاء، وتجولت فى المكان بقدر ما هو مسموح، حيث كانت أعداد مجلة الكرازة موجودة خاصة فى سنوات البابا شنودة الثالث، لم يكن البابا شنودة غريباً عن نشأتى، إذ كان صديقاً لجدى شيخ الصحفيين الراحل حافظ محمود، بل وتزاملا فى العمل الصحفى، فكان البابا يحمل كارنيه عضوية نقابة الصحفيين فى أوراقه الخاصة اعتزازاً بانتمائه النقابى والمهنى للصحافة، وكنت اسمع بنفسى المكالمات الهاتفية بين السيدين فى سنوات عمر جدى الأخيرة خلال التسعينات.

ثم أتت لحظة بدء الحوار، حيث دلف إلى القاعة البابا تواضروس بقامته الفارهة، ورويدا بدأت حالة من السكون والرحمة تسدل هالاتها لتحتوى حيز المكان، ومن جديد اشعر بهذه الألفة والطمأنينة والهدوء والتراحم، شعور طيب مريح ينتاب المرء وبدون عجالة أو تسرع بل يتسلل بهدوء لتملأ فراغات روحى منهكة، حيث تحلقنا حوله فى جلسة روحانية وتركنا الكاميرات تعمل بينما نحن نستمع إلى قداسته.
ساهمت ستائر الرحمة والمحبة فى أن يسهب الأستاذ أحمد الطاهرى وينطلق فى أسئلته، وبدأ "سيدنا" فى التطرق بالحديث إلى مناطق غير معروفة فى تاريخه قبل وبعد البابوية بل وفى تاريخ الكنيسة المصرية الوطنية.

أتى حديث البابا كما لو كان جزءا من الحركة الوطنية وليس حركة دين بعينه، وهذا أمر غير غريب على الكنيسة القبطية، إذ أنها كانت أول كنيسة فى العالم تتأسس بالاتساق مع المشاعر الوطنية والقومية، حينما اختارت اسم الكنيسة القبطية وقتذاك، وهو اسم مصر المتداول على الألسنة المصرية وقتذاك.

تمسكت الكنيسة القبطية بالهوية الوطنية أمام الأباطرة البيزنطيين، ووجد المصريون بسماحتهم التاريخية فى الدين المسيحى متنفساً إيمانيا أمام وحشية الاحتلال البيزنطى، وعلى ضوء تصاعد الروح الوطنية للكنيسة المصرية بدأ عصر الشهداء لمدة 200 عام قامت خلاله سلطات الاحتلال البيزنطى بمذابح مروعة ضد المقاومة والكنيسة المصرية، خاصة بعد أن رفض المصريون بعد دخولهم الدين المسيحى فكرة السجود لتماثيل الإمبراطور البيزنطى ورفضوا فكرة أن الإمبراطور هو الإله.

حاول الاحتلال محو الكنيسة المصرية وسحق الإيمان المسيحى فى نفوس المصريين ولكن النتيجة أتت عكسية، وما هى إلا بضع سنوات وآمنت روما وبيزنطة بالدين المسيحى، ومع ذلك رفضت الكنيسة المصرية إدعاء وحدة الدين وترك القضايا الوطنية المصرية، حيث استمر الارتباط بين الكنيسة المصرية والقضايا الوطنية بوجه كل احتلال مر على أرض مصر الطاهرة.

وحينما عاد الاحتلال الأوروبى مدعياً أنه يخوض حروب صليبية، رفضت الكنيسة المصرية هذا النداء ووقفت بجانب سلاطين الأيوبيين والمماليك، ما جعل الاحتلال الصليبى لبيت المقدس يرفض دخول المصريين المسيحيين إلى كنيسة القيامة واعتبار أتباع الكنيسة المصرية كفاراً خرجوا عن الدين، ولم يدخل المصريون المسيحيين إلى القدس الشريف إلا مع السلطان المصرى صلاح الدين الأيوبى، حينما حاربوا فى صفوف الجيش المصرى لتحرير بيت المقدس من الاحتلال الأوروبى، رافضين خدعة أنها حرب دينية، ضاربين المثل فى الولاء للتراب الوطنى المقدس، ووقف السلطان الأيوبى معجباً بهذه الروح الوطنية التى لم يشهدها فى شعوب الشرق من قبل وقرر أن يهدى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية دير السلطان فى القدس ليصبح هذا الدير مصرياً حتى اليوم.

وفى القرن التاسع عشر، حاولت روسيا القيصرية استغلال كنيستها الأرثوذكسية من أجل مد نفوذها على الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وحينما وصل الوفد الروسى إلى البابا بطرس السابع من أجل أخذ بركته لهذا التحرك، سألهم بطرس السابع "هل القيصر يموت أم يعيش إلى الأبد؟" فأجابه الموفد الروسى "بالطبع يموت" فرد بطرس السابع: "نحن فى حمى إله حقيقى لا يموت" وانتهت المحاولة الروسية بالفشل.

وحينما حضر الاحتلال البريطانى مدعياً حماية الأجانب والمسيحيين، رفض البابا كيرلس الخامس التعاون مع الاحتلال البريطانى، ما جعل البريطانيين يأمرون الخديو توفيق بنفى البابا عام 1893، ولكن الشعب المصرى مسلمين قبل مسيحيين انتفض ضد الاعتداء على بابا الكنيسة المصرية وكان أول تحرك وطنى بعد استتباب الأمر للاحتلال البريطانى وعاد البابا إلى كنيسته فى الإسكندرية بناء على ضغط شعبى.

ويمر التاريخ.. وتشاء الأقدار أن يكون كيرلس الخامس هو بابا الكنيسة يوم قامت ثورة 1919، حيث كان الدور الوطنى للكنيسة المصرية عظيما بقيادة البابا كيرلس الخامس، وصدح شعار يحيا الهلال مع الصليب فى ميادين الثورة، ودخل قساوسة الكنيسة المصرية إلى منبر الأزهر وجوامع مصر لإلقاء الخطب الوطنية بطلب من الإمام الأكبر شيخ الأزهر، حتى أن المندوب السامى البريطانى العتيد اللورد كرومر المتقاعد فى لندن كتب وقتها: "إن الفرق الوحيد بين القبطى والمسلم هو أن الأول مصرى يعبد الله فى كنيسة، فى حين أن الثانى مصرى يعبد الله فى مسجد".

ومع قيام الصراع العربى الإسرائيلى، وقف البابا شنودة الثالث مواقف وطنية حاسمة بحق القضية الفلسطينية، رافضا دعوات غربية بأن تنحاز الكنيسة المصرية إلى المخططات الغربية، وسجل قداسته عبر نصف قرن مواقف حاسمة رافضة لأى شكل من أشكال التطبيع الدينى بين الكنيسة المصرية والمخطط الغربى.

وحينما ثار الشعب المصرى على المخطط الغربى فى 30 يونيو 2013، لم تكن الكنيسة المصرية غائبة، وأعلن البابا تواضروس الثانى دعمه للحركة الوطنية المصرية وحينما رد الإرهاب بحرق الكنائس، رفض البابا تواضروس نداءات غربية لطلب المساعدة من الغرب، ويعلن موقف الكنيسة الوطنى دون مواربة، أن لمصر دولة وجيش سوف يدافعان عن كنائسها، وأن الجهة الوحيدة المنوط لها الدفاع عن كنائس المصريين هم المصريين فحسب.

إن المواقف الوطنية للكنيسة المصرية كانت دائماً مفتاح إجهاض الفتن الطائفية والدينية وحماية وحدة التراب المصرى، لتصبح الكنيسة القبطية هى كنيسة الشعب المصرى عبر العصور.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز