البث المباشر الراديو 9090
محمود بسيونى
لا يوجد للديمقراطية، كنظام سياسى، تعريف جامع مانع يرسم ملامح محددة لشكل من ‏أشكال ممارسة الحكم والسلطة يصلح لكل المجتمعات والدول، لكنها تحتوى على فكرة ‏رئيسية لا يختلف عليها أحد وهى التعددية السياسية، فبدونها لا يصح العمل ‏الديمقراطى ولا تستقيم العملية السياسية وتنضب مصادر تجديد دماء أى نظام حكم.

فى السابق كانت التجربة الديمقراطية فى مصر تتمحور حول نخب تمارس السياسة ‏وفق أجندات خاصة لم تتوافق مع أى مشروع وطنى، نخب منفصلة عن ‏الواقع وتنتمى لأفكار متناقضة بينها الليبرالية المأخوذة من الليبرالية الغربية ‏لكنها مختلفة عن نموذجها الأم حسب رؤية المفكر الراحل رفعت السعيد، وما ‏قال فى كتابه الليبرالية المصرية عن الفارق الجوهرى بين الليبرالية الغربية والليبرالية المصرية، الأولى قامت على أكتاف مجتمع أكمل تشكيلته ‏الاقتصادية/ الاجتماعية/ السياسية، عبر ظهور طبقتين اجتماعيتين جديدتين ‏‏(البرجوازية، والعمال).

كانت دول الغرب الليبرالية لا تعانى، كمصر، أو معظم ‏أنحاء العالم العربى، من الاحتلال الأجنبى‏.

ذلك التعريف هو الأقرب لأزمة الليبرالية المصرية عند ظهورها فى بداية القرن ‏الماضى، بوجود حزب الوفد وصراعته السياسية مع النظام الملكى وأحزاب ‏القصر، وظهور نخب تمارس السياسة وفق أجندات متضاربة، فى ‏ظرف احتلال أجنبى ونظام ملكى ضعيف منهار، يبحث عن البقاء رغم تحلل ‏دعائمه وفقدان شعبيته ومصداقيته. ‏

كان التأييد الشعبى لثورة 23 يوليو ونجاح قادة الثورة فى إخراج الاحتلال واستعادة ‏الهوية المصرية سببًا رئيسيًا فى غياب نخب وأحزاب ما قبل عام 1952، لكن مع ‏مرور الوقت افتقدت العملية السياسية لزخم الممارسة الديمقراطية، وتسبب ذلك ‏الفراغ فى ظهور تيارات متطرفة اقحمت الدين فى السياسة وتوغلت فى مفاصل ‏العملية السياسية حتى أنها وصلت للتأثير المباشر والسيطرة على حركة النخب اليسارية والليبرالية ‏وباقى التيارات السياسية، حتى وصلنا للحظة الانفجار فى يناير 2011، واحتكار ‏المتطرفين للعمل السياسى وسعيهم إلى تقسيم المجتمع على أساس طائفى والاشتباك ‏مع مكوناته من أجل الوصول إلى حالة التمكين الكامل ‏لمشروعهم الإقصائى ثم ممارسة العنف ضد معارضيهم باسم الدين.‏

تلك العواصف أثرت بالسلب على العمل السياسى بل وأدت إلى انفضاض الناس عن ‏النخب والالتفاف حول الدولة فى لحظة المخاض المصاحبة لثورة 30 يونيو.

مع استقرار الأوضاع بدأت الجمهورية الجديدة فى التخطيط على المستقبل والبحث ‏عن صناعة نخبة جديدة تنشأ فى مناخ ديمقراطى سليم وتتعلم الممارسة الصحيحة، فى ‏مدرسة كادر سياسى تقوم على احترام التنوع والاختلاف مع وحدة الهدف، وهو تغذية ‏الانتماء إلى المشروع الوطنى المصرى، ورفع مستوى الدعم العام والمساهمة فى مشروعات البناء الممتدة فى ‏كل ربوع الوطن.

لأول مرة تشهد مصر خطوات جادة فى تنمية المشاركة السياسة وتمكين الشباب من ‏القيادة بدعم من الرئيس عبد الفتاح السيسى بإعلانه عن البرنامج الرئاسى لتأهيل ‏الشباب للقيادة‏PLP ‎‏، وتخرجت منه 3 دفعات وقبل أيام انطلق التقديم للدفعة ‏الرابعة، ثم ظهرت المؤتمرات القومية للشباب وتطورها إلى منتدى شباب العالم ثم ‏ظهور الأكاديمية الوطنية للتدريب وتنسيقية شباب الأحزاب وكلها أفرزت قيادات ‏شابة قادرة على تحمل المسئولية الوطنية، وأصبحت مصر من خلالهم تمتلك كوادر ‏سياسية نشأت فى بيئة ديمقراطية سليمة تقبل التعدد والاختلاف وقريبة من مؤسسات ‏الدولة ومراكز صنع القرار بداخلها، بعدما وصل عدد كبير منهم إلى المجالس النيابية ‏وقيادة المحافظات كنواب ومساعدين للمحافظين.‏

الفارق بين النخب الجديدة والنخب السابقة هى الممارسة العملية، حيث اتجهت النخب الجديدة إلى التفاعل مع الشارع ومارست السياسة فى بيئة بناء وتعمير وإنجازات كبرى، مشاركة فى إدارة الشأن العام كشريك فى صنع القرار، وتعلمت وفق أحدث مناهج الإدارة والقيادة فى البرنامج الرئاسى أو فى الأكاديمية الوطنية للتدريب، لا يشغلها التنظير أو الحكم على الأشياء دون دراسة ولم تلوثها الأجندات غير الوطنية، ومارست الحوار مع كافة التيارات واشتغلت بالسياسة فى عدم وجود التيار الإرهابى المحظور الذى جمد العمل السياسى المصرى ولوثه طيلة 80 عامًا.

تتجه مصر إلى الجمهورية الجديدة وفى جعبتها تجربة سياسية شابة طموحة تستحق فرصتها الكاملة فى التعبير عن نفسها ورسم مساراتها وفق الأجيال الجديدة من الديمقراطية، القائمة على المشاركة بين الأحزاب والمجتمع المدنى، وتمتلك من الأدوات السياسية ما يمكنها من تنظيم صفوفها وتنقيتها من أى شائبة فى ظل وجود أجهزة رقابية قوية وإرادة سياسية لا تقبل الفساد أو الإفساد.

تلك التجربة تؤسس لممارسة ديمقراطية سليمة وفق تركيبة مختلفة تقودها عملية تمكين المرأة والشباب الطموح كشريك متضامن فى تحسين الأداء السياسى وقياس رضاء الشارع، وهو ما ظهر فى اهتمام الأحزاب بالتفاعل الاجتماعى مع الحالات الإنسانية الطارئة وجعل الأحزاب قريبة من الناس وخلق تفاعل بينهما، وشكل ضغطا على النواب من أجل نقل انتقادات الشارع للحكومة عبر البرلمان عبر استخدام الأدوات الرقابية فى مسألة الوزراء والحكومة، وإصدار تشريعات تتفاعل مع احتياجات فئات المجتمع والأهم أنها تجربة مصرية خالصة تقود الإصلاح الديمقراطى فى الجمهورية الجديدة.

نقلا عن موقع تنسيقية شباب الأحزاب

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز