البث المباشر الراديو 9090
إيهاب عمر
تستعد الأحزاب الفرنسية لاختيار مرشحها لانتخابات الرئاسة المقرر عقدها فى أبريل 2022، وعلى ضوء إقرار حزب الجمهورية إلى الأمام بترشيح رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون، إضافة إلى حزب التجمع الوطنى الذى قرر ترشيح رئيسة الحزب مارين لوبان، فإن الأنظار تتجه إلى الحزبين الكبيرين – سابقًا – فى الجمهورية الفرنسية الخامسة، وهما الجمهوريين الديجولى والاشتراكى الفرنسى.

حزب الجمهوريين انتخب فاليرى بيكريس Valérie Pécresse لكى تصبح مرشحة الحزب لانتخابات الرئاسة، لتصبح أول سيدة تترشح للرئاسة عن الحزب الديجولى أو اليمين الجمهورى الفرنسى، وهى رئيسة إقليم "إيل دو فرانس" منذ انتخابها لهذا المنصب فى ديسمبر 2015، كما شغلت منصب وزير الميزانية والمتحدث باسم الحكومة الفرنسية ما بين عامى 2011 و2012 فى زمن الرئيس نيكولا ساركوزى ورئيس وزرائه فرنسوا فيون.

وشغلت تحت إدارة نفس رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء منصب وزير التعليم العالى والبحث العلمى والابتكار ما بين عامى 2007 و2011 ما يعنى أن بيكريس قد التحقت بمجلس الوزراء الفرنسى 5 سنوات متتالية.

ومن الملاحظ أن كل الصحف الفرنسية والأوروبية التى تناولت خبر اختيار بيكريس قد تجاهلت معلومة هامة، تتمثل فى انشقاق بيكريس عن حزب الجمهوريين الديجولى ما بين عامى 2019 و2021 وتأسيسها وترأسها حزب "لنكن احرار" Soyons Libres المعروف اختصارًا بحزب الأحرار.

لم تعد بيكريس إلى الحزب الديجولى إلا وقد تلقت وعدًا بحسم الانتخابات الداخلية لصالحها، إذ أن شبكات المصالح الغربية والنيوليبرالية الرأسمالية الدولية لا تحبذ استمرار ماكرون لولاية ثانية، وتأتى بيكريس لكى تحقق هذا الهدف، فهى من اليمين الجمهورى وتحديدًا من يمين الوسط وليس اليمين القومى، وهى سيدة فى زمن يحاول فيه عشاق الصوابية السياسية تنصيب امرأة على رأس فرنسا، وهى رافضة لليمين القومى ممثلاً فى مارين لوبان، وهى مقبولة لدى أحزاب فرنسا التقليدية السابحة فى تيار الصوابية السياسية، ومؤيد عتيد للوحدة الأوروبية عكس شكوك ماكرون فى هذه الوحدة ورفض لوبان للفكرة من الأساس، كما تؤمن بيكريس بالاقتصاد الليبرالى بشكل اكثر قوة من أى مرشح آخر ينتمى إلى اليمين أو اليسار الفرنسى بما فى ذلك ماكرون نفسه.

أما المفاجأة التى تكشفها متابعة نشاط حزبها الصغير ما بين عامى 2019 و2021 فهى أنها معارضة لقوانين الهجرة التى سنها الاتحاد الأوروبى وتتفق مع ماكرون على أهمية تقييد تلك القوانين داخل فرنسا، وقد درست بكلية التجارة فى مطلع حياتها وتتقن الإنجليزية والروسية واليابانية إلى جانب لغتها الأم الفرنسية.

إذن قامت شبكات المصالح الغربية بإنتاج مرشح ديجولى على أحدث صيحة فى عالم الصوابية السياسية النيوليبرالية، ولكن الصرع داخل الحزب الديجولى كان أشد شراسة على ضوء أن منافس بيكريس الرئيسى والذى حل ثانيًا فى الانتخابات داخل الحزب هو إيريك سيوتى Éric Ciotti الرجل الذى يرى أن اليمين الديجولى يجب أن ينتقل من اليمين الجمهورى إلى اليمين القومى اتساقًا لأفكار الزعيم المؤسس شارل ديجول.

انضم إيريك سيوتى إلى مواقف مارين لوبان المتعلقة بالأمن والهوية والهجرة والإسلام، وشاركها معها الرؤية الوطنية المدافعة عن هوية الأمة والقائمة على الهوية للأمة، داعيًا إلى إلغاء منح الجنسية للمهاجرين والأجانب المولودين على أرض فرنسا وأن تصبح الجنسية حصريًا على القومية الفرنسية والعرق الفرنسى فحسب، وأن يتم إدراج مادة عن "الأصول المسيحية للأمة الفرنسية" فى الدستور، وإلغاء الإعانات العائلية "لآباء الأطفال الذين لا يحترمون قيم الجمهورية"، ودعا إلى إنشاء جوانتانامو على الطراز الفرنسى.

إيريك سيوتى هو الطبعة الديجولية من دونالد ترامب، وكانت قيادته للحزب الجمهورى الفرنسى هو بمثابة ثورة تصحيح داخل الحزب بعد الانهيار الذى ضربه على يد نيكولا ساركوزى، ولكن الغرب خطط بدقة لتجاوز "ترامب الديجولى" لصالح "امرأة من زمن الصوابية النيوليبرالية"، وللمفارقة فإن جميع استطلاعات الرأى تشير إلى عدم قدرتها على تجاوز الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة امام ماكرون ولوبان!

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز