إيهاب عمر
وعادة تزخر قواميس العلوم السياسية بالتعريفات المُعقدة، إذ أن مُصطلح النيوليبرالية قد ظهر للمرة الأولى أواخر القرن التاسع عشر، حينما بدأ بعض الفلاسفة فى تطوير الليبرالية الكلاسيكية، لذا فإن اقصر الطرق لفهم الأيدولوجيات السياسية هو التوصل للتعريف والأطار المعرفى الذى يلائم الممارسة العملية لهذا الفكر وليس الأطر النظرية للمصطلح، فلا يعقل أن يتم وضع تعريف معين للنيوليبرالية، بينما هذا التعريف مخالف للممارسة النيوليبرالية القائمة على مستوى العالم اليوم.
وتلك هى المشكلة الكبرى التى يصدرها المفكرين والباحثين اليوم، حينما يتم التصدى لإشكالية تضارب التعريفات السياسية لمصطلح بعينه، فإن الأصل هنا ليس حشو الأسطر بالتعريفات، ولكن تقديم التعريف الأقرب لما يحدث فى مسرح العمليات.
يمكن القول إن النسخة الحالية من النيوليبرالية هى ابنة سبعينات القرن العشرين، حينما بدأ بعض المفكرين والمنظرين فى الغرب عملية تطوير الفكر الليبرالى، على ضوء تطورات الحرب الباردة، إذ نظرت بيوت الفكر السياسى فى الغرب إلى أن الأيدولوجيات اليسارية ليست عدو فى حد ذاته، ولكن الكتلة الشرقية هى العدو، وبالتالى فإنه يمكن توظيف الأفكار والأدوات اليسارية فى هزيمة الاتحاد السوفيتى، ولاحقًا يوغوسلافيا، وتاليًا صياغة أيدولوجيا عالمية تعتبر هى المذهب الفكرى للنظام العالمى الجديد عقب سقوط الامبراطوريات السوفيتية واليوغوسلافية.
وللمفارقة فإن عالم الاجتماع والرياضات والاقتصاد الألمانى ألكسندر روستوف Alexander Rüstow (1885 – 1963) هو أول من تنبأ بهذا التزاوج بين الليبرالية والاشتراكية، إذ كتب نصًا "أن الليبرالية الاشتراكية هى النيوليبرالية"، ما يجعل نبوءته عام 1938 هى التعريف الحقيقى للنيوليبرالية اليوم، ما جعل الكثير من مؤرخو الغرب يعتبرون روستوف هو صاحب الصك الحقيقى للمصطلح وأن كل المصطلحات الشبيهة من قبله كانت تتحدث عن نهج نيوليبرالى اندثر وانتهى بالفعل.
وإلى جانب أفكار روستوف، فإن مختبر الأفكار الغربى فى السبعينات قد وجد ضالته فى المانى يهودى ثان، هو الأب الروحى لليسار الليبرالى فى السبعينات هربرت ماركوزه (1898 – 1979)، وهو ألمانى الميلاد يهودى الديانة فر من ألمانيا عام 1933 مع وصول حزب العمال القومى الاشتراكى (الحزب النازى) للحكم.. إذ استقر فى الولايات المتحدة الأمريكية وعمل مع المخابرات الحربية لسنوات طويلة فى بث دعاية الحرب العالمية الثانية ثم الحرب الباردة.
وهو من أسس اليسار الجديد أو اليسار الليبرالى فى سبعينات القرن العشرين، عبر إعادة توظيف حريات الشواذ والسحاقيات، والصوابية السياسية وحرية تعاطى المخدرات والخطاب النسوى المتطرف والدعوة للنظام الغذائى النباتى والإلحاد، ونظر ماركوزه إلى أن أكبر تهديد للأنظمة الرأسمالية يجب أن يكون من الطلبة والأقليات وليس من الطبقة العاملة كما ينص اليسار الماركسى أو الاشتراكى، وأنه يجب غزو الجامعات بقواميس الصوابية السياسية.
بهذه الأفكار تم إطلاق الثورة الجنسية ما بين أواخر الستينات إلى أوائل الثمانيات، وتم صياغة قاموس الصوابية السياسية فى السبعينات، وتحويل "الآمركة" إلى "العولمة" حتى أصبح هنالك طائفة أو كما يطلق عليها بعض المفكرين فى الغرب "دين جديد" بين الشباب اسمه العولمة الأمريكية.
يمكن القول على ضوء ما سبق، إن النيوليبرالية هى النيوشيوعية أو النيوماركسية، إن الليبرالية الجديدة هى الشيوعية الجديدة، وإذا كان ذلك هو تأثيرها على المجتمعات والأفكار والشباب فإن تأثيرها على السياسة كان أخطر بكثير.
لقد أدرك الغرب أن الأفكار اليسارية يجب توظيفها فى بوتقة ليبرالية وديموقراطية وحتى رأسمالية، أن اليسار السوفيتى هو العدو وليس اليسار بوجه عام، وأن العولمة يمكن أن يكون لها جناحًا يساريًا ماركسيًا، وأن جميع يسار العالم عقب انهيار الاتحاد السوفيتى مستعد للعب دور الجماعات الوظيفية، كما كان يلعبه فى الأساس لصالح الكرملين.
وبدأت الأفكار الماركسية او اليسارية أو الشيوعية تغزو الأحزاب الغربية بوجه عام، وبعد أن كان هنالك فارق ضخم بين اليمين المحافظ واليسار الاشتراكى والوسط الليبرالى وأحزاب الخضر فى أوروبا وأمريكا، راحت أجندات تلك الأحزاب تتقارب بشدة، حتى أصبحت جميع تلك الأحزاب تعمل بأجندة نيوليبرالية موحدة، فأصبح التيار النيوليبرالى اليوم يضم اليمين المحافظ والوسط الليبرالى واليسار الاشتراكى والخضر فى بوتقة العولمة مرجعيتها قواميس الصوابية السياسية، بينما يقف فى الجانب المضاد التيار القومى الوطنى الرافض لهيمنة النيوماركسية تحت مسمى النيوليبرالية.
وتم توظيف الأفكار الماركسية فى تفكيك فكرة الدولة الوطنية أو القومية ليس فى الشرق الأوسط فحسب، ولكن حتى فى أوروبا وأمريكا، إذ أن التيار القومى والوطنى فى الغرب ليس مرحب به لأنه خارج حسابات الرأسمالية الدولية بل ويتضاد معها، فالأفكار الوطنية والقومية عمومًا ضد النيوليبرالية الساعية لتحويل العالم أجمع إلى مجرد فيدرالية كبرى، يصبح بها الرئيس المنتخب مجرد عمدة قرية ينفذ إملاءات العولمة الأمريكية.
ومع تسبب الرأسمالية الدولية والعولمة النيوليبرالية فى الأزمة الاقتصادية الكبرى عام 2008 بالسياسات الاقتصادية الخاطئة، نهض التيار القومى الوطنى فى أوروبا وأمريكا والعالم ما بين عامى 2008 و2013، وأصبح هنالك ثورة عالمية فى الغرب قبل الشرق حيال العولمة والرأسمالية والنيوليبرالية، هذه الثورة أنتجت الأحزاب والشخصيات والتيار الوطنى الرافض لهذه الهيمنة.
وأصبح الصراع العالمى الأيديولوجى والسياسى اليوم، هو ما بين التيار الوطنى والتيار النيوليبرالى، ما بين الدولة الوطنية ودولة العولمة، وللمفارقة فإن الجماعات الوظيفية الدينية، خصوصًا الإسلام السياسى التى هى صنيعة شبكات المصالح الغربية قد تموضعت مع صانعها أى التيار النيوليبرالى، وبالتالى فقد أصبحت الشراكة مع التيارات الوطنية والقومية حول العالم هى شراكة ضد الإرهاب الدينى، وضد توطين الإرهاب فى الغرب تحت مسمى اللاجئين، وضد تفكيك الروح القومية للدولة الوطنية تحت مسمى الدين السياسى سواء الإسلام السياسى أو المسيحية السياسية أو اليهودية السياسية.
لذا، لا عجب إن انحازت الأنظمة القومية الوطنية فى الغرب لنموذج الدولة الوطنية القوى فى الشرق مثل الدولة المصرية عقب ثورة 30 يونيو 2013، فالصراع الدولى واحد، والهدف واحد، والمستهدف للدولة الوطنية القومية فى المشرق أو الغرب هو نفس العدو.