البث المباشر الراديو 9090
الدكتور حسن سلامة
لا شك أن صعيد مصر كان – وما يزال - مصدرًا لرموز وقامات وطنية وفكرية وعلمية متميزة تزدان بها هامة الوطن فى مختلف المجالات.. ولا شك أيضا أن جنوب مصر، وهو يقدم هذه الرموز، قد عانى عبر سنوات عديدة سابقة نوعًا من التهميش أو الإهمال أو التقصير، فلم يكن فى حسبان مخطط السياسة العامة بالقدر الكافى الذى يستحقه.

التأكيد على تلك الحقائق يمثل ضرورة مهمة لطرح تفسير منطقى لما شهده جنوب مصر من سوء استغلال فكرى لاسيما من جانب أصحاب الرؤى المتطرفة الذين حولوا هذا المكان إلى بؤر للإرهاب مستغلين الظروف المعيشية المتدهورة التى كان يمر بها أهل مصر فى الصعيد.

ورغم المطالبات المتعددة بالانتباه إلى خطورة هذا الإهمال وتراجع مستويات التنمية فى الصعيد على الأمن القومى المصرى فى صورة أعمال عنف إجرامى او إرهاب يتدثر بعباءة الدين، إلا أن يد التنمية ظلت مغلولة لا تكاد تقدم ما يسد الرمق لتزداد الفجوة وتصبح تلك المناطق طاردة لأبنائها الباحثين عن حياة أفضل.

وتستمر الحلقة المفرغة من تدهور الخدمات الأساسية والهجرة الداخلية من الريف إلى العاصمة المركزية أو ضواحيها وتبنى الأفكار المتطرفة المغلوطة دون وجود استراتيجية وطنية لتنمية هذه المناطق شأنها شأن غيرها من تلك التى تشهد تدخلات حكومية متسارعة هنا أو هناك.

ومع ثورة الثلاثين من يونيو وما تلاها من تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى زمام الأمور باتت هناك رؤية تنموية استراتيجية تستهدف تطوير كافة ربوع مصر وفى مقدمتها الصعيد.

صعيد مصر.. كيف كان؟ :

شهد الصعيد فى أعقاب ثورة يوليو 1952 بعض مظاهر التغيير الاقتصادى والاجتماعى الإيجابية التى أحدثتها الثورة وقادتها فى الجنوب واستمرت تلك المظاهر على استحياء حتى تصاعدت مظاهر الإهمال مع تبنى سياسة الانفتاح الاقتصادى فى منتصف سبعينيات القرن العشرين وما تلاها من سياسات لم يكن للصعيد حظ منها.

فالصعيد بات منسياً ضمن سياسات التنمية الاقتصادية والاجتماعية التى تبنتها الدولة لاكثر من ثلاثين عامًا.

بالتزامن مع ذلك فقد غلب الطابع الشكلى والموسمى على اهتمام الحكومات المتعاقبة آنذاك بالصعيد، حيث يكثر الحديث عن تنمية الصعيد خلال الاستحقاقات الانتخابية أو الفعاليات الكبرى دون أن يكون اهتمامًا مؤسسيًا دائمًا يشغل حيزًا من تفكير مخطط السياسة العامة.

ومع تصاعد دور التنظيمات الإسلامية الراديكالية فى الصعيد خلال عقدى الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين نتيجة البيئة المتدهورة التى مثلت أرضا خصبة تم استغلالها لغسل أدمغة الشباب واستقطابهم، شرعت الدولة فى الالتفات إلى الصعيد، ولكن من منظور أمنى وليس من منظور تنموى.

وبسبب الإهمال التاريخى، أصبحت محافظات الصعيد هى الأكثر معاناة من الفقر والبطالة والارتفاع المتواصل فى الأسعار، ناهيك عن التدهور الحاد فى المرافق والخدمات العامة من تعليم وصحة وإسكان ومواصلات وصرف صحى ومياه نقية وغير ذلك.

وتكشف جولة سريعة فى مختلف محافظات الصعيد، عن مئات القرى والنجوع والأحياء العشوائية المحرومة من أبسط متطلبات الحياة، التى تحفظ للمواطن آدميته وكرامته. ونظراً لتدنى مستوى الخدمات فى الصعيد، والمركزية الإدارية يضطر كثيرًا من أبناء الصعيد للسفر إلى القاهرة لقضاء مصالحهم. ويمثل ذلك معاناة كبيرة بالنسبة لهم بسبب الحالة المزرية التى كان يتميز بها قطارات الدرجة الثالثة التى يستخدمها غالبية أهل الصعيد، وكذلك الوضع المتردى للطريقين الزراعى والصحراوى اللذين يربطان بين القاهرة وأسوان، حيث كانا يفتقران إلى أدنى المواصفات المعروفة للطرق السريعة، ناهيك عن أن أسعار القطارات المكيفة هى فوق متناول غالبية الصعايدة.

ونظراً لأن الصعيد بات يمثل حالة نموذجية لفقر التنمية وتنمية الفقر، فقد أصبح طارداً لأهله.. وتجلى ذلك فى زيادة نزوح أبناء الصعيد نحو العاصمة وغيرها من المدن الكبرى بحثاً عن فرصة عمل ولقمة عيش. وللأمانة فإن صور بعض أهالى الصعيد وهم يجلسون تحت الجسور وعلى الأرصفة بزيهم التقليدى فى بعض الشوارع الرئيسية فى القاهرة والجيزة فى انتظار فرصة عمل باليومية كانت صورًا صادمة بكل المقاييس.

ولم تقتصر معاناة الصعيد على التهميش الاقتصادى والاجتماعى فحسب، بل عانى أيضاً من التهميش السياسى، حيث تراجع أداء الأحزاب السياسية فى محافظات الصعيد، ولم تكن الأحزاب تلتفت إلى الصعيد إلا فى مواسم الانتخابات بما فى ذلك بالطبع الحزب الوطنى الديمقراطى المنحل.

وبسبب ضعف هذه الأحزاب وخواء برامجها فإنها راحت تعتمد على الانتماءات والتوازنات القبلية والعائلية فى اختيار كوادرها والمرشحين وفى حشد التأييد، الأمر الذى أسهم فى تقوية هذه الانتماءات، بل وتسييسها فى كثير من الأحيان، وهو أمر له مخاطره وتداعياته.

ومن مظاهر التهميش السياسى للصعيد أيضاً تلك القاعدة التى استقر العمل عليها منذ عقود بشأن تعيين المحافظين فى محافظات الصعيد، فهم فى الأغلب الأعم يأتون من خارج هذه المحافظات، وغالباً لا يكون لدى الكثير منهم معرفة حقيقية بثقافة وتقاليد وعادات أهل الصعيد والطبيعة الخاصة بهم، الأمر الذى يؤثر سلباً على أدائهم ودورهم فى حل المشكلات التى تعانى منها محافظات الصعيد.

كما عانى الصعيد من انتشار السلاح وهو ظاهرة قديمة جديدة زادت حدتها فى اعقاب ثورة يناير وانتشار الفوضى وتفكك الدول المجاورة وفى مقدمتها ليبيا حيث زادت عمليات تهريب الاسلحة والجماعات العنيفة إلى مصر عبر الدروب الصحراوية.

ومن خطورة هذا الوضع ان بعض الخلافات البسيطة قد تتطور الى مواجهات دموية من شأنها تكريس الانتماءات الأولية، القبلية والعشائرية والعائلية، فيما باتت تمثل، فى عديد من الاحيان، الأمان والحماية بالنسبة للشخص الذى عانى من اهمال وتهميش الدولة له الا فى المواسم.

هذه الصورة لصعيد مصر مثلت تهديدًا حقيقيا للأمن القومى ليس على المستوى الأمنى والعسكرى فحسب بل تمثلت سلبياتها أيضا فى ضياع رأس المال البشرى وتبديد الطاقات وانتشار الفساد وسوء تخصيص الموارد والإمكانات وتوافر البيئة الخصبة للتطرف والإرهاب.

الصعيد كما يجب أن يكون:

تبنى الرئيس السيسى المنظور التنموى الشامل لإحياء صعيد مصر من كبوته وفق استراتيجية متعددة الأبعاد تضمن استعادة دور الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار من ناحية وتوفر البيئة الآمنة لتنمية حقيقية تجعل تلك المناطق جاذبة للاستثمار وتوفر فرص العمل فتقل الهجرة الداخلية إلى العاصمة المركزية من ناحية أخرى.

وتمثلت هذه الرؤية للرئيس السيسى عبر مجموعة من الاجراءات التى أعلنها فى كلمته فى الجلسة الختامية للمؤتمر الوطنى الثانى للشباب المنعقد فى يناير 2017 وتخص تنمية الصعيد، وهى:

• إنشاء الهيئـة العليـا لتنمية جنوب مصر، والتى تهدف إلى الارتقاء بالخدمات العامة وتوفير فرص عمل والعناية بآثار النوبة، باستثمارات تصل إلى 5 مليارات جنيه خلال الخمس سنوات القادمة.

• إطلاق مشروع قومى لإنشاء مناطق صناعية متكاملة للصناعات الصغيرة ومتناهية الصغر، وتبدأ المرحلة الأولى منه بإنشاء 200 مصنع صغير بكل محافظة من محافظــات الصعيــد خـــلال الستــة أشهر القادمة.

• استمــرار العمـــل فــى توسيـــع نطــاق إجـراءات الحمايــة الاجتماعيــة مــن خلال تطوير برنامج تكافل وكرامة، ليتضمن برامج تشغيل لأبناء الأسر التى يشملها البرنامج من خلال إطلاق مشروعات كثيفة العمالة.

• زيادة الجهود الموجهة لتحسين مستوى جودة الحياة بالصعيد من خلال العمل على استمرار تكثيف الجهود فى مجالات الصحة والتعليم والنقل والإسكان.

• الإسراع فــى تنفيذ مشروع المثلث الذهبى قنا - سفاجا - القصير على خمس مراحل متتالية، والذى يهدف إلى إنشاء مناطق للصناعات التعدينية ومناطق سياحية عالمية، بحيث يصبح هذا المثلث منطقة عالمية جاذبة للاستثمار.

• تحويل أسوان إلى عاصمة للاقتصاد والثقافة الإفريقية والاحتفال بمرور 200 عام على اكتشاف معبد أبو سمبل للترويج السياحى لمصر وإقامة احتفالية كبرى لهذه الذكرى.

وعكست تلك الإجراءات محددات الرؤية التنموية الاستراتيجية للقيادة السياسية إزاء الصعيد وتمثلت فيما يلى :

• المؤسسية التى تعكس وجود مشروع دائم مستمر للتنمية من خلال تأسيس هيئة تنمية الصعيد بوصفها كيانا مسئولا عن نهضة الصعيد التنموية فى مختلف المجالات عبر تحديد الاحتياجات ووضع الخطط والآليات للتنفيذ والمتابعة.

• توفير فرص عمل عبر تشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة والاستفادة من موارد الصعيد لصالح أبنائه مع تيسير الإجراءات المرتبطة بإنشاء تلك المشروعات.

• استمرارية الدور الاجتماعى للدولة فى تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية للفئات المستحقة وربطها بالخدمات الأساسية.

• مد شبكة المرافق والخدمات التعليمية والصحية إلى المناطق المحرومة لتحسين جودة الحياة لمواطنى الصعيد.

• تعزيز القدرة على الاستفادة من الموارد التعدينية وإقامة مجمعات صناعية محلية تسهم فى توطين الصناعات من ناحية والحد من الهجرة الداخلية من ناحية أخرى.

• الاستفادة من المقومات السياحية التى تزخر بها مناطق الصعيد وبناء صناعة السياحة التى تستقطب المئات عبر فرص عمل متعددة.

• محاربة الفكر المتطرف عبر منظومة متكاملة من فرص العمل وتحسين الأحوال الاقتصادية وملء أوقات الفراغ خاصة لشباب الصعيد الطموح.

• حماية الأمن القومى المصرى عبر منظور متكامل الأبعاد وتمثل التنمية المستدامة أحد أركانه لسد منافذ الإختراق المحتملة.


وعبر محاور تلك الرؤية توالت العديد من المبادرات الرئاسية ( صحية / تعليمية / اقتصادية ) التى تستهدف مختلف أنحاء القطر المصرى دون استثناء وهو ما يعنى إدراج الصعيد فى خطط التنمية وفق استراتيجية محددة تقرأ الواقع بكل أبعاده وتنتقل إلى مستقبل أفضل، فكانت مبادرة حياة كريمة التى غيرت وجه الحياة فى صعيد مصر سواء على مستوى البنية التحتية من طرق وشبكات مياه وصرف وتبطين للترع إلى الخدمات الحياتية اليومية من تعليم وصحة ونقل وسكن كريم.. وجاء أسبوع الصعيد الذى دشن خلاله الرئيس السيسى العديد من المشروعات فى مجال الطاقة والمياه والصرف الصحى والتعليم والمدن الجديدة فى بعث جديد لتلك المناطق بعد طول معاناة.

الأدوار المتوقعة من الشركاء:

لم تتخل الدولة المصرية فى عهد الرئيس السيسى عن مواطنيها بل وضعت الخطط ونفذت واستحال الحلم حقيقة ماثلة تستدعى بالضرورة تكامل الأدوار عبر المؤسسات المجتمعية الأخرى وفى مقدمتها الأحزاب السياسية ورجال الأعمال ومؤسسات المجتمع المدنى والإعلام والجامعات.

• فالأحزاب مطالبة بمزيد من التواجد داخل محافظات الصعيد لتستطيع استيعاب واحتواء رغبات المشاركة الطموحة لدى قطاعات غير قليلة من الشباب وتوفير قنوات مشروعة تتلقى أفكار التغيير والابداع لصالح المجتمعات المحلية على أن يكون التواجد دائما وليس موسميا مرتبطا بالفعاليات الانتخابية بحثا عن مرشح هنا أو هناك.. فالأحزاب هى مدارس لتنشئة الكوادر السياسية وتجنيدها لتتولى قيادة المستقبل وأدى غيابها إلى حالة من الفراغ الذى تسعى دائما الى استغلاله الجماعات المتطرفة.

• أما رجال الأعمال فعليهم البحث عن مشروعات فى قلب الصعيد تحقق لهم الربح وتوفر لأبناء الصعيد فرص العمل وتسهم فى تحقيق تنمية واقعية عبر معدلات إنتاج تستفيد من موارد المحافظات المختلفة وتعزز النمو الاقتصادى للدولة.. ولعل خريطة الاستثمارات المتاحة فى العديد من المحافظات تمثل حافزًا مهما لدفع رجال الأعمال نحو المبادرة.

• وتلعب مؤسسات المجتمع المدنى دورًا مهما فى بناء القدرات وتوفير المهارات وفق منهج تنموى خاصة للفئات الطموحة من الشباب والمرأة والأشخاص ذوى الإعاقة وهى الفئات الراغبة فى الانتقال إلى مستقبل أفضل ولديها الرغبة فى التعلم والقدرة على المثابرة.. كما تلعب مؤسسات المجتمع المدنى دورها التوعوى فى بناء ثقافة المواطنة وتعزيز الولاء والانتماء والوقوف على أرضية وطنية لحماية الإنجازات والمراكمة عليها.

• أما الإعلام لاسيما المحلى فيقع عليه العبء الأكبر فى نشر الحقائق والتركيز على الإنجازات والرد على الشائعات وإتاحة فرص التعبير والنقد البناء سدًا لمنافذ استهداف العقول واستمرارًا لعملية التنمية والبناء.

• أما الجامعات الإقليمية التى تضم الخبرات وشباب الباحثين المبدعين فى محافظات الصعيد، فهى مدعوة للقيام بدور أكبر فى دارسة وتحليل المشكلات التى يعانى منها الصعيد، وبلورة مقترحات وحلول واقعية لها، بحيث تفيد فى رسم سياسات وخطط فعالة لمواجهتها.

• أن تدشين الدولة لاستراتيجية متكاملة لتنمية الصعيد تستلزم بالضرورة مشاركة مجتمعية فاعلة تعزز فكرة تكامل الأدوار لصالح وطن قوى بأبنائه وقيادته وجيشه.. حفظ الله مصر وشعبها وقيادتها وجيشها.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز