إيهاب عمر
أغلب السيارات خاصة سيارات الأجرة تشغل الراديو، لا لشيء إلا لمعرفة آخر أخبار سعر الليرة اللبنانية أمام الدولار، التدهور ليس يومى بل على مدار الساعة، الدولار الواحد كان يساوى حينما وصلت 25 ألف ليرة وعلى رأس الساعة ومع كل نشرة أخبار هنالك زيادة بالمئات وربما الآلاف!، حينما عدت للقاهرة كانت الزيارة فى أسبوعين قد وصلت إلى 4 آلاف ليرة ليسجل الدولار الواحد 29 ألف ليرة لبنانية!
هذه ليست الأسعار الرسمية بل أسعار السوق الموازية، حيث اشتعل السوق السوداء، وأصبح أغلب الناس مجبرين ومضطرين للمضاربة فى العملة وشراء الدولار أو اليورو من القادمين من الخارج، الإجراءات الحكومية صارمة فى منع الدفع بالعملات الأجنبية فى الأسواق والمتاجر حتى تظل العملة المحلية هى العملة المتداولة، ولكن مثل كافة دول المشرق من المستحيل مراقبة الأسواق بنسبة 100 %، هذا القرار سارى فى المولات والمتاجر العملاقة ولكن فى متاجر الأزقة والشوارع الجانبية وحتى فى حى الحمراء ووسط البلد يمكن أن تدفع بالعملة الصعبة طالما أنت من اخترت ذلك.
ما أن تخرج السيارة من محيط مطار رفيق الحريرى حتى تجد لافتة عليا وكبرى معلقة "جادة الإمام الخمينى" فى إشارة واضحة للطرف الإقليمى المنتصر فى اللعبة اللبنانية، حيث أصبح الطريق الرئيس المؤدى للمطار اللبنانى يحمل اسم مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
رغم أجواء الاحتفال بأعياد الميلاد فى بلد يفترض أن نصف سكانها من المسيحيين، ولكن أخبار تدهور العملة والأزمة السياسية تضفى خنقة على كل المناقشات، المواطن لم يعد ينتظر أن تقدم له الدولة ما كان يفترض أن تقدمه له، شراء المولدات الكهربائية العملاقة أصبح أمر طبيعى مثل أجهزة التكييف فى البيوت المصرية.
"انت معجب بالثلج ولكنك سوف تمكث معنا بضعة أسابيع".. يحدثنى سائق سيارة أجرة تعمل عبر تطبيق أوبر، ويكمل "ولكن هذا الثلج سوف يظل معنا طيلة الشتاء ما يعنى تكاليف إضافية فى الكهرباء والغاز من أجل التدفئة".. هكذا يفرح قطاع السياحة فى محافظة جبل لبنان بالثلج، ولكن قطاعات أخرى تنظر لهذه الثلوج بغضب مكتوم.
يواصل السائق حديثه "حينما بدأت شركة أوبر فى العمل بـ لبنان واجهتها مشكلة التدهور اليومى للعملة اللبنانية، وتقرر أن يكون التسعير والدفع بالدولار الأمريكى أو ما يعادله".. وافقته على القرار الذكى، فالدولار ثابت ولكن الليرة تتدهور ولا يمكن للشركة الأم أن تقوم بتعديل الأسعار على مدار الساعة.
ولكن السائق يواصل الحديث "ولكن بعض السائقين بكل أسف لم يكونوا أمناء فى تحويل العملة مع الفتيات خصوصاً إذا كان الوقت متأخرًا.. وهكذا قررت إدارة أوبر عدم العمل بالدولار.. ومع استمرار الشكوى خصوصاً من "الصبايا" أرسلت شركة أوبر للنظير اللبنانى هنا رسالة بأنه تقرر قطع التعامل معنا، يمكننا أن نستخدم التطبيق بشكل مجانى ولكن لم نعد نتبع لهم.. شركة أوبر أخبرتنا صراحة أن كل هذا الصداع الآتى من لبنان وإيراد لبنان كاملاً لا يتجاوز إيراد شارع واحد فى نيويورك".
نفس موبقات سوق العمل فى مصر! التجبر على الفتيات أو السيدات وفى ساعات متأخرة من الليل فى مسألة أسعار الأجرة، وقيام مستخدمى التطبيق بإساءة استخدامه حتى فقد مميزاته! ولكن للأمانة لم أقابل أيا من تلك الحالات، بالعكس هو ما صادفته فى محافظات بيروت وجبل لبنان والبقاع وبعلبك.
شعب متحضر للغاية، فرض عليه التنوع الإنسانى أن ينهل من الثقافات والأفكار والمكتبات، وأصبحت هنالك الحالة فريدة من التعايش المشترك واحترام الخصوصية والآخر، حالة يجب أن نحافظ عليها جميعاً فى المشرق وأن نسعى لتعميمها فى الشرق الأوسط.
حالة لم تسقط أمام انهيار العملة وزحف الفقر على المجتمع والصراع السياسى الذى جمد البلاد والصراع الإقليمى الذى نص على وضع لبنان كاملاً فى الثلاجة إلى حين انتهاء رسم خطوط النفوذ فى سوريا ثم العودة لإشعال لبنان.. عدوان إسرائيلى واحداً تلو الآخر وهجمات من داعش وأخواتها سواء النسخة السلفية أو الإيرانية.
كافة الموبقات التى نراها فى مجتمعات المشرق والعالم العربى والإسلامى تحت مسميات الفقر وغياب الدولة وانهيار العملة وترنح الاقتصاد غير موجودة فى لبنان.. الرد على كافة تلك الديباجات هو لبنان.. هو أن التربة الصالحة سوف تظل تفرز ثقافة صالحة، أما العطب حينما يصل إلى التربة فإنك مهما أصلحت المحصول لن ينصلح حال الأمة ما لم تبدأ فى إصلاح التربة ذاتها.
ولبنان لا يزال أصيل.. يناضل بكبرياء رغم مسحة الحزن والوهن فى كل شوارعه، ولكن قوة لبنان فى شخصية المواطن اللبنانى.. ادركت ذلك وأنا اتابع أعياد الميلاد فى الشوارع والكنائس.. ثقافة السعادة والفرح والجمال بادية فى كل شيء، ورغم الأزمة الاقتصادية إلا أن حرص الجميع على التأنق والنظافة رسالة ثانية ورابعة وعاشرة لأمم وشعوب المشرق إلى أن تلك القيم هى حالة شخصية وليست مرادف لمعدلات الثراء والتعليم والاستثمار الأجنبى.
ليلة رأس السنة انتشر الجيش اللبنانى فى عموم البلاد وكان هنالك قرار بغلق بعض المحال من الساعة السابعة مساء، ومع اليوم الثانى بدأ التشدد فى فكرة الكمامة، انتهت الأعياد والمواسم السياحية وحان وقت لملمة آثار هذه الزيارات السياحية حتى لا نفلت زمام كورونا فى الجمهورية اللبنانية.