إيهاب عمر
وفى الواقع إن الدول الكبرى منذ الحرب العالمية الثانية قد اتفقت على أنه زمن حروب الامبراطوريات بالسلاح قد انتهى، وأنه يمكن الحرب بالوكالة فى الملاعب الإقليمية، مثل ملاعب الربيع العربى، وأنه متى ترنحت دولة ما فى أى إقليم، وجب الهرولة الى لاعبوها المحليين وبدء تقسيم الصفوف والمراكز من أجل بدء لعبة عض الأصابع، مثلما جرى فى الحرب السورية، حينما أصبحت سوريا الغربية اليوم تحت الحماية الروسية، بينما ينتشر فى سوريا الشرقية قوات من أمريكا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا على حد سواء، بينما هناك قوات من تركيا فى شمال سوريا، ومن إيران فى وسطها وجنوبها.
وقد أدت سنوات الحرب الباردة إلى تدويل أى نزاع محلى أو إقليمى مهما كان تافه أو بسيط، وأصبح لكل نزاع داخلى حول العالم بنك أهداف إقليمى ودولى، وبالتالى فإن أى دولة فى العالم ليس أمامها إلا أمرين، أما أن تصبح دولة قوية وتعتبر "لاعب" فى المسرح الدولى، أو تصبح دولة ضعيفة وتعتبر "ملاعب" للصراعات الإقليمية والدولية.
إن الغرب يسعى اليوم إلى إنهاك الصين وروسيا فى المقام الأول، وفى المقام الثانى النمور الآسيوية والأسواق الاقتصادية الناشئة، وللمفارقة فإن الغرب يتعاون مع دول المقام الثانى للتصدى لدول المقام الأول! حيث يجرى محاصرة روسيا بحزام من الأزمات فى الجمهوريات السوفيتية السابقة، عبر الحركات الانفصالية والإسلاميين والتيارات الليبرالية الموالية للاتحاد الأوروبى، وفى محاولة صنع نزاعات داخل الجمهوريات الروسية المسلمة عبر العائدون من ملاعب الربيع العربى.
وبالمثل تجرى نفس اللعبة حيال الصين، عبر التحالف الغربى مع الهند وتايوان، ومحاولة تصدير الإرهاب الإسلامى إلى إقليم "المغرب" الواقع فى غرب الصين، والذى يطلق عليه الإعلام الغربى عمدا والإعلام العربى جهلا مصطلح "تركستان الصين" أو تركستان الشرقية، وهى مصطلحات لا أصل تاريخى أو دينى أو عرقى لها، بالإضافة إلى التنسيق مع دول جنوب شرق آسيا وأستراليا من أجل تقليص النفوذ الصينى فى البحار الصينية والمحيطين الهادى والهندى.
وقد تحول إسلاميو وشوام الربيع العربى إلى جماعات وظيفية فى يد الغرب، حيث يلعبون دور أساسى فى إثارة الفوضى فى المحيط الروسى والصينى، سواء المرتزقة السوريين أو الجماعات الإسلامية التى عملت فى الملاعب السورية والليبية واليمنية والعراقية.
وفى الغرب، هناك صراع حقيقى بين التيار النيوليبرالى والتيار القومى، وقد ظفر التيار النيوليبرالى برئاسة أمريكا وبعد ذلك مستشارية ألمانيا، ويتصدر المكون الاشتراكى كافة مكونات التيار النيوليبرالى، حيث أصبح هناك قرار دولى بحتمية صعود الاشتراكيين إلى الحكم فى عدد من العواصم الأوروبية من أجل التصدى لليمين القومى، أو على أقل تقدير صعود اليمين النيوليبرالى.
وعلى هذا الأساس فإن الأنظار تتجه إلى الانتخابات الرئاسية الفرنسية، حيث تحاول شبكات المصالح الغربية التى تدير العولمة الأمريكية النيوليبرالية أن تسقط إيمانويل ماكرون لصالح مرشح اليمين الديجولى أو اليسار الاشتراكى.
وأيضا تجرى محاولات على قدم وساق من أجل إسقاط وزارة القومى بوريس جونسون فى بريطانيا، لصالح التيار المحافظ داخل حزبه أو الذهاب الى انتخابات مبكرة تفضى إلى سيطرة حزب العمال على البرلمان والحكومة، علما بأن الحزب المعارض يسيطر عليه اليوم تيار اليسار الليبرالى أو "الاشتراكية الليبرالية" ما يجعله مؤهلا للأجندة الغربية.
إن سقوط دونالد ترامب وتقاعد أنجيلا ميركل، قد زاد من سعار الغرب فى تسييس وتوظيف ملف حقوق الانسان، وإطلاق سراح الإرهابيين والمجرمين الموالين للغرب، وفى توظيف الديموقراطية لصناعة الفوضى، وقد بدا ذلك واضحا فى خطاب إدارة بايدن فى عامها الأول، وفى الساعات الأولى لحكومة المستشار الاشتراكى أولاف شولتس فور توليه المسؤولية فى برلين، ويبدو أن هذا الملف سوف يشهد مزيدا من التكثيف إذا ما سقط بوريس جونسون وإيمانويل ماكرون.
إن الملاحظ فى وسط كل هذا الضباب، أن نموذج اللادولة هو السائد، وأن هناك رغبة دولية فى أن تصبح كافة الدول الفقيرة بلا هوية قومية أو وطنية، وأن تصبح تلك الدول مجرد مقاطعات فى نظام فيدرالى عالمى، وأنه لا يوجد أى حل قريب لأى صراع دولى، فلا يوجد صراع أو تهدئة بل الإبقاء على درجة هادئة من السخونة مناسبة للجميع، ما عدا شعوب تلك الدول.
وفى هذا الإطار فإن الغرب حتى اليوم، يفتقد إلى مايسترو أو دولة كبرى قادرة على حسم الصراع، كما فعلت إدارة رونالد ريجان فى ثمانينات القرن العشرين حينما حسم الحرب الباردة، أو إدارة بيل كلينتون فى تسعينات القرن العشرين حينما أنهى تبعات الحرب الباردة ورسم النفوذ الأمريكى ورئاسة بلاده لمجلس إدارة العالم.
الغرب اليوم بلا زعيم حقيقى وفعال، وسقطت إدارة الملفات فى أيدى اليسار التقدمى الموالى للعولمة الأمريكية النيوليبرالية، وأصبح العالم كله حقل تجارب لأفكار اليسار وقواميس الصوابية السياسية التى تنهك المجتمعات الغربية قبل المجتمعات المستهدفة.
كما أن الزعامة الروسية والصينية غير قادرة على شن عولمة صينية أو عولمة روسية مضادة بشكل حاسم، وهكذا فإن العالم على موعد مع سنوات وربما عقود من الحرب الباردة ما لم يظهر زعيم غربى قادر على حسم الصراع، أو تحقق روسيا أو الصين نجاح حاسم فى قلب ملاعب أوروبا مثل أن نرى اليمين القومى فى دولة بثقل فرنسا أو إيطاليا يعلن الخروج من الاتحاد الأوروبى أو تنجح حركة انفصالية فى أوروبا بإعلان جمهوريتها مثل كتالونيا الإسبانية أو الحركات الانفصالية الإيطالية والألمانية.
ولعل أفضل توصية يمكن ختم بها تلك السطور، هو أنه على كل دولة أن تتفرغ لبناء مشروعها القومى والإقليمى، لأنه هذا هو الخلاص من نيران الحرب العبثية الجارية بين الدول الكبرى، حرب بلا نهاية وليس لها أى نتائج واضحة، وأن الرهان لا يمكن أن يكون على أى قوة خارجية.
ولكن الرهان الحقيقى هو النموذج المصرى، نموذج الدولة الوطنية القوية، الجمهورية الجديدة وبناء إنسان الجمهورية الجديدة عبر مشروع حياة كريمة، وعبر الاستماع إلى الشباب عبر المؤتمر الوطنى للشباب ومنتدى شباب العالم، والتجفيف منابع الإرهاب والفساد، لأنها الثغرات التى يحاول بها العدو تحويل أى دولة من لاعب.. إلى ملعب.
لا تسمح للمجتمع الإقليمى والدولى أن يحول بلدك ومصيرك ومستقبل إلى مجرد ملعب من ملاعب مونديال الصراع الدولى.