ماجدة محمود
تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسى فتحت الأبواب للحوار الهادف البناء الذى يصب فى مصلحة الأسرة ويراعى فى المقام الأول مصلحة الشباب الصغير خاصة وأننا دولة شابة تتطلع بأبنائها إلى مستقبل يبنى لا يهدم.
هذا الحوار دفعنى إلى البحث فى دفتر أحوال سيدات مصر منذ القدم، وعدت إلى أحلى العصور التى كنت أتمنى أن أحيا فى زمنها، العصر الفرعونى، حيث أجدادنا الذين وضعوا المرأة موضع تقدير واحترام، فلقد لخص أحد حكماء مصر القديمة هدف الرجل من علاقته بزوجته فى عبارات: "أحبب زوجتك كما يليق بها، قدم لها الطعام والملابس، وأسعد قلبها ما حييت".
ولهذا كانت عقود الزواج فى مصر الفرعونية تصب فى مصلحة المرأة، وتضمن لها كافة الحقوق، وقد عثر على عقد زواج مكتوب بالخط الهيراطيقى فى جزيرة الفنتين جنوبى مصر يتضمن بنودا تصل إلى ما يقارب من الـ20 بندا، يحدد شكل العلاقة بين الزوجين تفصيلا مثل: التاريخ، الإعلان (الإشهار)، وطرفى عقد الزواج، وهدية الزوج (المهر)، والمعيشة، والضمان، والانفصال، وحماية الأطفال، والقسم (التعهد)، ومتعلقات شاركت بها الزوجة فى المنزل، والمتعلقات المشتركة بين الزوجين، وممتلكات من الوالدين من الميراث، والرهن، والتعويض فى حالة الانفصال.
كما يظهر أن المرأة كانت تتقاضى راتبا شهريا من زوجها لا يدخل فى نفقتها السنوية، وهو أمر حميد يوضح أسلوب الحياة بينهما، وكانت كل الوصايا تأمر الزوج بأن يسعد زوجته وهذا ما تؤكده كلمات "آنى" أحد القدماء المصريين وأراها حلا لمشكلات عصرنا حيث يقول: "لا تصدر أوامر كثيرة إلى زوجتك فى منزلها، إذا كنت تعلم أنها امرأة ماهرة فى عملها، لا تسألها عن شىء أين موضعه؟ ولا تقل أحضريه إذا كانت قد وضعته فى مكانه المعتاد، ولاحظ بعينيك والزم الصمت حتى تدرك محاسنها، يا لها من سعادة عندما تضم يدك إلى يدها، تعلم كيف تدرأ أسباب الشقاق فى بيتك، ولا يوجد مبرر لخلق نزاعات فى المنزل، وكل رجل قادر على أن يتجنب إثارة الشقاق فى بيته، إذا تحكم سريعا فى نزعات نفسه"، كلمات إذا تحولت إلى ميثاق شرف بين الشركاء "الزوجة والزوج" لكنا الآن فى أسعد حال.
وكما كان الزواج يبدأ بضمانات واتفاقات ملزمة لكافة الأطراف كان للطلاق أيضا ضوابطه، ولضمان حقوق المرأة فى حالة الطلاق، كانت عقود الزواج تنص على تعويض مادى مناسب لها وهذا ما تؤكده إحدى البرديات لعقد زواج من القرن الثانى قبل الميلاد بين كاهن وزوجته يتعهد فيه الزوج بدفع تعويض كبير فى غضون ثلاثين يوما فى حالة الطلاق، وكانت الزوجة تأخذ تعويضا مناسبا من المال عند طلاقها فضلا عن المهر.
وبعد مرور آلاف السنين سار الحفيد على نهج أجداده المخلصين عندما أقر العلامة رفاعه رافع الطهطاوى بخط يده فى وثيقة زواجه من ابنة خاله "كريمة" اشتراطات وتعهدات على نفسه حيث كتب الطهطاوى بخط يده، متعهدا، ما نصه: ''التزم كاتب الأحرف رفاعة بدوى رافع لابنة خاله المصونة الحاجة كريمة بنت العلامة الشيخ محمد الفرغلى الأنصارى، أن يبقى معها وحدها على الزوجية دون غيرها من زوجة أخرى أو جارية أياما كانت، وعلق عصمتها على أخذ غيرها من نساء أو تمتع بجارية أخرى.. فإذا تزوج بزوجة أياما، كانت بنت خاله بمجرد العقد خالصة بالثلاثة وكذلك إذا تمتع بجارية ملك يمين، ولكن وعدها وعدا صحيحا لا ينقض ولا يخل، أنها ما دامت معه على المحبة المعهودة مقيمة على الأمانة والحفظ لبيتها ولأولادها ولخدمها ولجواريها، ساكنة معه فى محل سكناه، لن يتزوج بغيرها أصلا ولا يتمتع بجوار أصلا ولا يخرجها من عصمته حتى يقضى الله لأحدهما بقضاء، هذا ما انخطت عليه العهود وشهد الله سبحانه وتعالى بذلك وملائكته ورسله وأن فعل المذكور خلافه كان الله تعالى هو الوكيل العادل للزوجة المذكورة يقتص لها منه فى الدنيا والأخرة، هذا ما انخط عليه الاتفاق وكذلك إن أتعبته فهى الجانية على نفسها. (رفاعة بدوى رافع، 14 شوال 1255هـ).
هذا ما كان عليه الحال فى الزواج "الحب والاحترام" إذا ماذا حدث وغير الأحوال فهدم الديار وفرق الأحباب وشرد الأطفال؟ وما الذى يجب أن يكون كى نعود إلى عهدنا الذى عاهدنا أنفسنا عليه عند عقد العقد من الالتزام بحسن المعاشرة وإقامة شرع الله؟
الأسبوع المقبل نستكمل القراءة فى دفتر أحوال النساء.