البث المباشر الراديو 9090
الدكتور شحاتة غريب
لا ريب أن الحفاظ على الأمن القومى العربى، ينبغى أن يكون الهدف الاستراتيجى الأول لكل الأنظمة والشعوب العربية، لأن أى تهديد أو أى محاولة لزلزلة هذا الأمن القومى، سيترتب عليها مؤكدا انتشار حالة من الفوضى وعدم الاستقرار، وقد يصل الأمر إلى أن تصبح بعض الدول العربية لقمة سائغة فى أيدى المتربصين، والمتآمرين، والخونة، الذين ينفذون بعض الأجندات المشبوهة التى تهدف إلى انهيار الأوطان!

وما يحدث حاليا فى العراق، وليبيا، يؤكد بجلاء أن هناك بعض العناصر الداخلية التى تستهدف الاستقرار، لتقضى عليه، وتسعى جاهدة إلى بث الفتن، ونشر الفوضى، وقتل الشعوب لبعضها البعض، من خلال تسليح بعض الأفراد، وتكوين الميليشيات، والحركات المسلحة، وكأن هناك عدة جيوش داخل الدولة الواحدة، بدلا من أن يكون لها جيشا واحدا يدافع عنها، وعن حدودها، وعن أمنها القومى، الذى بات ضحية لهذه الميليشيات، والحركات، وذلك كله بهدف خلق المناخ، والأجواء، التى تسمح بسيطرة أنظمة أجنبية على مقدرات الدولة، والتحكم فى مصيرها، ومصير شعبها، الذى دخل معظم أفراده فى غيبوبة سياسية، بسبب الأكاذيب، والتضليل، والضغط المستمر، الذى يتعرضون له من قبل بعض الأحزاب والحركات الموالية لأجندات أخرى، لا تمت بصلة إلى مصالح الشعب والحفاظ على حقوقه!

ولا شك أن حالة الانفلات الأمنى، والفوضى، التى تعيشها الآن الدولة العراقية، بسبب النزاع السياسى بين التيار الصدرى وبعض الأحزاب الموالية لإيران، تؤكد لنا خطورة ترك السلاح بيد الأفراد، والحركات، بعيدا عن يد الدولة، وهو ذات المشهد الذى يتكرر فى ليبيا بين أنصار الدبيبه من ناحية، وأنصار باشاغا من ناحية أخرى، حيث المواجهات المسلحة الدامية، التى راح ضحيتها عدد من الأفراد، وقد تم حرق وتدمير بعض المنشآت الحيوية فى الدولة، وبدلا من المحافظة على هذه المنشآت، وحمايتها، نجد الميليشيات والحركات المسلحة تضرب بعرض الحائط كل عوامل الاستقرار، وعدم المساس بالأمن القومى، وتترك أراضيها لأجهزة خارجية، تعبث بها، وتنفذ مخططاتها على حساب الشعوب!

ولعل السؤال الذى يفرض نفسه فى هذا الإطار، وأوجهه إلى الأفراد المنتمية إلى هذه الحركات أو تلك، هل أصبحتم أنصارا لأشخاص دون دولكم؟! أليس مفروضا عليكم أن تكونوا أنصارا لأوطانكم، وأمنكم القومى، وتدافعون عنه بكل ما أوتيتم من قوة؟! وهل أنتم تعيشون حالة من الرضا والسعادة عندما تشاهدون وتسمعون فى وسائل الإعلام المختلفة أنكم أنصار هذا التيار أو ذاك، بدلا من أن تكونوا أنصارا لقضية بلادكم؟!

كونوا أنصارا لأوطانكم، وكونوا عونا لقادتكم المخلصين، ولا تجعلوا من أرضكم مرتعا لتنفيذ المخططات التى قد تنال من مستقبل بلادكم، واعلموا أن الولاء والانتماء للوطن هو المنقذ لكم من ويلات الخيانة، وعواقبها الوخيمة، التى قد تحدث اثارا تتاريه مدمرة، تفوق مشاهد التدمير، والرعب، والخراب، التى كان التتار ينفذونها فى كل بلد تضع أقدامهم أرضها، وليكن شعاركم الدائم هو الانتصار لمصلحة الوطن، وليس لتحقيق الانتصار لفصيل، أو حركة معينة، لا تعمل من أجل الوطن، ولكنها تعمل من أجل الأعداء، الذين لا يريدون الأمن والأمان والاستقرار لهذا الوطن!

وليعلم الجميع أن انتشار السلاح، ووجوده بكثافة مع الأفراد، والحركات، يعد أكبر خطر يمكن أن يهدد الأمن القومى العربى، فما يحدث فى ليبيا يكون نتيجة حتمية لوجود الحركات المسلحة، ووجود أحدث الأسلحة وأخطرها بين يدى الأفراد، بعيدا عن يد الدولة، كما أن ما حدث فى العراق فى هذه الأيام، يكون أيضا بسبب حالة الانفلات التى يعيشها العراق، بسبب ترك السلاح بيد الحركات، والأفراد، وأصبحت هناك حالة من التحدى لمعنى الدولة، وأن لها جيشا، وشرطة، يقع على عاتقهما تحقيق الأمن فى الداخل، وعدم تعرض الحدود لأى انتهاكات، وأصبحت كل حركة، أو فصيل، تتباهى بملكيتها لأحدث الأسلحة وأخطرها، وتنظم العروض العسكرية علنا فى شوارع الدولة، ليتراجع معنى الدولة عند كل الذين يشاهدون هذه العروض!

لذلك ينبغى حصر السلاح، وجعله بيد الدولة فقط، وأن يدرك الجميع أن للدولة جيشا واحدا، وأن تكرار تجربة الجيوش الموازية، قد أدى إلى انهيار بعض الدول، فليس سائغا، أو لصالح الدولة، أن يكون لحزب الله جيشا فى لبنان، موازيا لجيش الدولة، وللحوثيين جيشا فى اليمن لتنفيذ الأجندة الإيرانية، كما أنه ليس لصالح العراق، أن يكون هناك فصائل مسلحة متباينة الولاء، ولن تحدث إطلاقا انتخابات رئاسية فى ليبيا، طالما لا تعترف الميليشيات بالجيش الوطنى، ولم يتنازل طرف عن مطالبه المتعارضة مع مطالب طرف آخر، لصالح الوطن، فكيف تحدث انتخابات هنا أو هناك فى محيطنا العربى، فى ظل هذا التناحر السياسى، وعدم الاعتراف بإعلاء المصالح العليا للوطن على غيرها من المصالح الشخصية؟!

فما يحدث فى عالمنا العربى، من انتشار السلاح بيد الأفراد، يكون أكبر تهديد يواجه الأمن القومى العربى، وتقع المسؤولية على عاتق الجميع، أنظمة حاكمة، وشعوب، فلا يمكن بأى حال من الأحوال أن نلقى اللوم على الأنظمة فقط، ولكن يجب على الشعوب أن تدرك مسؤوليتها، وتساعد الحكام فى جمع السلاح من الأفراد، والحركات، وأن يكون هذا السلاح حصريا بيد الدولة، حتى لا يكون الأمن القومى العربى فى خبر كان!

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز