الدكتور شحاتة غريب
ولا يمكن إطلاقا، وليس منطقيا، أن تحدث هذه المشاركة لولا توافر الإحساس، والقناعة، بأن هناك جدية تامة في إجراء العملية الانتخابية وفقا للدستور والقانون، وخاصة مسألة التأكيد على توفير الضمانات التي تعزز من قيم المساواة وتكافؤ الفرص بين جميع المرشحين، وأن يكون البرلمان معبرا بصدق عن إرادة الناخبين.
ولا أزعم أن الانتخابات البرلمانية في المرحلة الأولى، والثانية، لم يحدث بها أي تجاوزات، أو انتهاكات لكافة القواعد المتعلقة بإدارة العملية الانتخابية من بدايتها إلى نهايتها، بل قد حدثت بعض التجاوزات، وقد تم ارتكاب بعض الجرائم الانتخابية، بالمخالفة للنصوص الواردة في قانون مباشرة الحقوق السياسية، وكافة القوانين الأخرى ذات الصلة، ومن أمثلة هذه التجاوزات قيام بعض الأشخاص بشراء أصوات بعض الناخبين بمبالغ نقدية، أو بتوزيع أشياء عينية، كما قد لوحظ وجود اعتداء على مقرات بعض اللجان، وتعطيل العمل بها، كما أن بعض المتابعين قد أشاروا إلى بعض الانتهاكات التي تتعلق بالإجراءات الخاصة بعملية فرز الأصوات، ومدى الالتزام بتسليم نسخة من محاضر الفرز للمرشحين أو وكلائهم، وغير ذلك من التجاوزات.
وفي هذا الصدد أطرح عدة تساؤلات ذات صلة مهمة للغاية: هل قد ضربت الهيئات المعنية بعرض الحائط مسألة التصدي لهذه التجاوزات؟ وهل قد تمت بعض الانتهاكات سالف الإشارة إليها برضاء من المعنيين في الدولة المصرية؟ وهل قد تم التعامل مع التجاوزات بشكل قانوني وبما لا يمس المصلحة العليا للوطن، أم أن التعامل مع هذه التجاوزات قد تم بالكيفية التي قد أعطت لمنصات جماعة الإخوان وأعوانهم الفرصة في تشويه الدولة المصرية أمام الرأي العام العالمي؟!
في حقيقة الأمر وبكل مصداقية، لقد واجهت الدولة المصرية هذه التجاوزات بكل الحسم، وما يؤكد ذلك أن الهيئة الوطنية للانتخابات قد ألغت الانتخابات في تسعة عشر دائرة في انتخابات المرحلة الأولى، نظرا لتيقنها وتثبتها من وجود انتهاكات للعملية الانتخابية، بما قد أثر فعلا على إرادة الناخبين، وهو ما لا يمكن قبوله على الإطلاق.
وقد يرى بعض المتابعين أن الهيئة الوطنية للانتخابات ما كانت قد تفعل ما فعلته إلا عندما تدخل السيد رئيس الجمهورية، وقام بالنشر على صفحته الرسمية ما يفيد حتمية حماية إرادة الناخبين، وأن يكون البرلمان معبرا عنهم، ولكن أود التوضيح من وجهة نظري أن السيد رئيس الجمهورية لم يوجه الهيئة الوطنية للانتخابات بفعل شيء ما محدد، أو عدم فعله، ولكن أعتقد أن المقصود هو أمرين: الأول رسالة طمأنينة للمواطنين بأن الانتخابات البرلمانية لن تتم إلا وفقا للدستور والقانون، وبالشكل الذي يعبر تعبيرا صادقا عن إرادة الناخبين، والثاني التأكيد على استقلال الهيئة الوطنية للانتخابات، وأنها المسئولة عن إدارة العملية الانتخابية من بدايتها إلى نهايتها، ولا يمكن بأي حال من الأحوال لأي جهة، أو أي شخص أن يتدخل في أعمالها.
وقد تعاملت بالفعل الهيئة الوطنية للانتخابات مع الموقف وفقا للدستور، والقانون، وعلينا أن ننظر إلى الجانب الايجابي في الموضوع، وليس الجانب السلبي فقط، فلا يمكن أن ننكر أن هناك خطوات جادة قد تم اتخاذها، لم نراها من قبل بهذا الشكل، فما لا يدرك كله، لا يترك كله، وإذا كانت هناك بعض الخروقات للعملية الانتخابية، فإن الدولة المصرية لم تصمت تجاه ذلك، بل قد قامت هيئاتها المعنية باتخاذ الإجراءات المناسبة التي تضمن احترام القواعد المنظمة للانتخابات.
نعم لم نصل إلى تحقيق كل ما نتمناه، لكن قد وضعنا أقدامنا في بداية الطريق الصحيح، وسيكون القادم أفضل وأفضل، حتى نصل إلى وجود حياة سياسية حقيقية بمعنى الكلمة، ولذلك كان ينبغي أن نقدر ما قد تم من خطوات ايجابيه، ولا نتعامل مع الأمر بالكيفية التي تعطي الفرصة لمنصات جماعة الإخوان المتأسلمة، بأن تلعب دورها غير الوطني لتشويه الدولة المصرية!
فإذا طالعنا هذه المنصات، نجد ما يؤكد أن هناك مؤامرة كبرى يتم تدبيرها ضد الوطن، وأن هذه الجماعة تحاول بين كل حين وآخر أن تنتهز أي فرصة لنشر الفتن، وزعزعة الاستقرار، وتهديد السلام الاجتماعي، وتضليل الرأي العام في الداخل والخارج، كي تصل إلى مرادها المتمثل في إضعاف أركان الدولة، والقضاء على مقوماتها، ومقدراتها، كي تعود من جديد للحكم والسيطرة على مقاليد الأمور!
فما يحدث بحسن نية من بعض المرشحين، أو أنصارهم، بقيامهم باستخدام صفحات التواصل الاجتماعي، لنشر فيديوهات تتعلق بتجاوزات خاصة بالعملية الانتخابية من وجهة نظرهم، يتم استخدامه من خلال منصات الإخوان بصورة سيئة للغاية، لا تهدف إلى تحقيق الديمقراطية كما يدعون، ولكن تهدف إلى المساس بسمعة مصر ومكانتها، وأن الدولة المصرية تقوم بتزوير إرادة الناخبين، وهو ما لم يحدث على الإطلاق، ولا يمكن قبوله، لأن الدولة المصرية حريصة كل الحرص على توفير المناخ الآمن لإنجاح الحياة الحزبية والسياسية بشكل عام، والانتخابات البرلمانية بشكل خاص.
وأقترح من وجهة نظري أن سلوك الطريق القانوني، وتسليم كل ما يثبت أي تجاوزات للهيئة الوطنية للانتخابات هو الطريق الأفضل، بدلا من استخدام منصات التواصل الاجتماعي، وإعطاء الفرصة لمنصات الإخوان من أخذ بعض الأجزاء من الفيديوهات، وتركيبها مع بعض المشاهد القديمة، لتضليل الرأي العام.
وإذا لم تعطي الهيئة الوطنية للانتخابات الحق لبعض المرشحين حسب وجهة نظرهم، فإن القانون قد وفر لهم ضمانة أخرى، تتمثل في حق الطعن في قرارات هذه الهيئة أمام المحكمة الإدارية العليا، وتكون أحكام هذه المحكمة نهائية واجبة النفاذ.
إذن يكون واضحا بجلاء الطرق التي يجب اتخاذها عند حدوث أي تجاوزات، ولا نستخدم ما قد يسيء إلى دولتنا، وتمكين جماعة الإخوان من تشويه الدولة وقيادتها ورموزها، وعلينا أن ندرك جيدا أن مصلحة مصر فوق كل اعتبار، وأن الحفاظ على الدولة المصرية بكل أركانها أهم بكثير من أي انتخابات، وهذا لا يعني أنني أقلل من شأن الانتخابات البرلمانية، ووجود برلمان معبر عن الشعب، ولكن ما أقصده أن نأخذ العبرة من دول مجاورة لم تتمكن منذ سنوات عديدة من إجراء أي انتخابات حقيقية، لأن هذه الدول لم تستطيع حتى الآن أن تعيد أركانها، أو أن تجعل شعوبها تشعر بمعنى الدولة!