الدكتور شحاتة غريب
وهذا هو ما حدث بالفعل، وقد صدقت رؤية من توقع قيام الحرب، وقد تبين أن عملية التفاوض، وجميع أحاديث ترامب عن المفاوضات والحلول السياسية، قد كانت لكسب الوقت، للوصول إلى حالة الاستعداد الكامل لضرب إيران، في ظل الهيمنة الإسرائيلية المخابراتية على الداخل الإيراني، ووجود المئات من المجندين لصالح الموساد الإسرائيلي، ومن بينهم قادة في الحرس الثوري قد تأكدت فيما بعد الشكوك التي قد كانت دائرة حولهم!
وبعد اندلاع الحرب ظهر وبقوة الوجه الآخر لها، والمتمثل في انتصار الطائفية، وهزيمة فكرة الانتماء والولاء للوطن، فإذا كانت إيران قد فقدت مرشدها، وبعض قياداتها، وقد تم تدمير جانب كبير من قدراتها العسكرية، إلا أنها قد انتصرت في تكريس فكرة الطائفية في المنطقة، وقد ظهر ذلك بجلاء في انضمام حزب الله اللبناني، وحزب الله العراقي، وغيرها، للحرب، رغم أن دولهم ليست طرفا في هذه الحرب.
وهنا يجب أن نجيب من منظور عقلاني وليس عاطفيا على التساؤل الآتي: هل هذه الأحزاب أو الحركات تكون محقة في اقحام دولها في حرب ليست طرفا فيها؟ وقبل الإجابة على هذا التساؤل أؤكد أن الإدارة الأمريكية ليست محقة في مشاركة إسرائيل لضرب إيران، لأنها تكرس لفكرة انتهاك الشرعية الدولية، وعدم التزام الدول بموجبات وقواعد القانون الدولي، وأن أخذ الحقوق إن وجدت لا يكون إلا باستخدام القوة بناء على قرارات فردية، دون النظر إلى ما تفرضه منظمة الأمم المتحدة من قواعد وإجراءات يجب اتباعها لاستخدام القوة العسكرية ضد دولة معينة.
وفيما يخص الإجابة على التساؤل الخاص بمدى أحقية الأحزاب أو الحركات في اقحام دولها في حرب ليست طرفا فيها، فإنني أؤكد أن حزب الله اللبناني أو العراقي أو غيرهما ليسوا محقين في اقحام لبنان والعراق وغيرها في حرب ليسوا طرفا فيها، لأن القوات الأمريكية لم تشن هجوما على لبنان أو العراق.
وبغض النظر عن الدوافع العاطفية التي تقودنا إلى كره إسرائيل استنادا إلى تاريخها القمعي الأسود مع العرب، وخاصة مع الفلسطينيين، فإننا يجب أن ننتبه إلى أن أذرع إيران في المنطقة لا تتبنى عقيدة الدفاع عن القضايا العربية، ولكنها تتبنى عقيدة الدفاع عن المصالح الإيرانية، حتى لو قد كانت على حساب الصالح العربي.
ويمكن في هذا الصدد طرح التساؤل الآتي: لو كانت ضربات أمريكا وإسرائيل موجهة إلى أي دولة عربية أو إسلامية غير إيران، هل حزب الله وغيره من الأذرع الإيرانية في المنطقة سيعملون على ضرب إسرائيل والمصالح الأمريكية في المنطقة؟! أبادر الإجابة بالنفي، ولن يتدخل حزب الله أو غيره في أي حرب ليست إيران طرفا فيها، وهو ما يؤكد فكرة انتصار الطائفية على فكرة الانتماء والولاء للوطن.
وتجدر الإشارة إلى أننا جميعا مع حزب الله في مقاومته للعدو الصهيوني، دفاعا عن لبنان، وكلنا جميعا مع أي حركة مقاومة تدافع عن وطنها، وحق شعبها في تقرير مصيره، ولكن لا يمكن أن يكون مقبولا أن ندين بالولاء على أساس مذهبي، أو طائفي، على حساب الأوطان، وحقوق الشعوب.
فإذا كانت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران قد أظهرت الوجه العدواني للصهيونية العالمية ضد الدول الإسلامية والعربية، فإن هذه الحرب قد كشفت لنا عن وجه آخر يتمثل في تغلغل الفكر الطائفي في المنطقة، مما قد يهدد وحدة الشعوب في مواجهة أي عدوان.
لذلك يجب أن ننتبه جيدا من هذا الأمر، وأن نستفيد من دروس الحرب، وأن نبدأ صفحة جديدة من الحوار، والمكاشفة، والمصارحة، والمصداقية، لأن ما حدث في بعض الدول العربية من بعض مواطنيها تهليلا وفرحا بالضربات الإيرانية على هذه الدول، يمثل وبحق أخطر العوامل التي قد تقضي على فكرة الانتماء والولاء للوطن، وتغرقها في بئر الطائفية بلا عودة.