الدكتور شحاتة غريب
وذلك لأن العاشق لا يرى إلا صورة واحدة لعشقه، قد التقطها بقلبه فقط، لا تسمح بوجود أى صور أخرى، يمكن أن تهز الصورة الثابتة فى يقينه عن جمال العشق والهوى، وعدم السماح لأى رأى بأن يشوه هذا الجمال، أو قد يحاول أن يغير مسار رؤيته، ليرى صورة أخرى نقيضة لما رسمه قلبه بريشة عشقه!
هكذا يكون حال العشاق، وقد يكون أكثر تعقيدا من ذلك، لأن العاشق لا يرى إلا بعين قلبه، ولا يحكم على أى سلوكيات، أو أى تصرفات، إلا استنادا إلى معيار العاطفة، فالعشاق لا يعترفون بأية معايير أخرى، ولا يقبلون أن يعكر صفو عشقهم أى رأى يستهين بقيمة الاعتماد على العاطفة فقط، فلا مجال لإعمال العقل فى كل مجالات حياتهم، ولا مجال لأى مقاومة، تحاول أن تحررهم من حالة الاحتلال التى يعيشونها، ويفضلون البقاء دون استقلال، عن البقاء دون عشق!
ولا أستطيع إطلاقا إنكار هذه الحالة الجميلة، التى يعيشها كل عاشق، ولا أستطيع إنكار جمال الحب، وحتمية البحث عنه، لأن الحياة بدون الحب، كأرض بلا سماء، كشجرة بلا أغصان، كبحر بلا أمواج، فجمال الأرض يكمن فى سمائها، بشمسها، وقمرها، ونجومها، وجمال الشجرة فى أغصانها، التى تتمايل وتتراقص، ومن فوقها تغاريد العصافير، وجمال البحر فى أمواجه، التى تأخذنا إلى شواطئ الحب، لنرسم على رمالها حكاية قلب كل عاشق، وحكاية كل سهم قد أصاب هذا القلب، دون البحث عن نزع هذا السهم، فهو السهم الوحيد الذى يقبل به أى عاشق بأن يستمر باقيا مغروسا فى قلبه!
وهذا هو جمال الحب، والعشق، ولكن يجب أن ندرك أن عدم إعمال العقل فى كل تصرفاتنا، قد يؤدى إلى نتائج كارثية، قد تقضى على العشق ذاته، الذى ضحينا بالعقل من أجله، فلا يمكن بأى حال من الأحوال أن نلغى العقل، أو أن نهمل التوازن بين العقل والعاطفة، لأن إهمال التوازن، قد يقضى على أحلامك التى تطمح فى تحقيقها على أرض الواقع!
ولا ينبغى أن تجعل الغلبة للعقل على العاطفة، ولا تجعل أيضا الغلبة للعاطفة على العقل، وأن تدرك أن طوق النجاة قد يكمن فى مهارة التعاطى بحكمة مع هذا الملف، باعتباره أدق ملفات الحياة، إن لم يكن الحاكم الرئيسى لكل التصرفات، والتى قد تؤثر على سلوكياتنا فى بقية الملفات الأخرى، ويكون النجاح فيها مرهونا بالنجاح فى إدارتك المتوازنة لأهم، وأصعب، وأعقد، وأدق، قضية حياتية، تتمثل فى العشق والهوى!
ولذلك يجب على كل إنسان أن يفهم جيدا المرحلة التى يعيشها، وأن يعلم جيدا إمكانياته، والمهارات التى يتمتع بها، وقبل أن يخطو خطوة واحدة، يدرس ذلك، ويدرس الخطوة التى تكون بعدها، ولا يجعل من نفسه فريسة للعاطفة، لأن ترك النفس فريسة للعاطفة فقط، دون التفكير العقلانى، قد يأخذك إلى طريق صعب، تسير فيه دون أن تصل إلى نهايته، ودون أن تجد لنفسك عنوانا، يمكنك من معرفة نفسك، لأنك صرت تائها فى مدينة قد بنيتها بعاطفتك فقط، دون أدنى اعتراف بقيمة العقل فى كل تصرفاتك!
فمن المؤكد أن فى تجاهل العقل، تجاهل للطريق الصحيح الذى يصل بك إلى بر الأمان، ويساعدك على تحقيق أهدافك التى تسعى إلى الوصول إليها، ومنها الحب الذى يتمنى كل إنسان أن يعيشه، ويجد من يحبه، ويرى فيه الشريك الذى يحقق معه كل الطموحات، ويشعر معه بالأمن والأمان والطمأنينة، ويرى فيه أمل الحياة، والحب كله، وألف ليلة وليلة، التى يعشق أن يعيشها معه، لتعبر هذه الليالى عن سهر حبيبين، اختارا الطريق الصحيح، وأصبح حبهما هو الحل لكل الصعاب التى قد تتعرض له أى حياة!
ولكن إذا لم نعى جيدا المرحلة التى نعيشها، وإذا لم يدرك أى إنسان خطورة أن يترك مصيره لعاطفته فقط، فقد يصل إلى مرحلة فى غاية التعقيد والصعوبة، ويتمنى هنا أن يستقيل من حياة العشق والهوى، التى هيمنت على كل تصرفاته، بسبب عدم إعطاء المساحة للعقل، وعدم إعطاء الفرصة للتفكير بعقلانية فى مستقبل حياة، قد نفرح بجمال البداية، لكن قد نتألم كثيرا من النهاية، ويتمنى كل عاشق أن تعود به الحياة إلى الوراء، ليجعل التوازن بين العقل والعاطفة هو المعيار الأساسى الذى يعتمد عليه فى تحديد مصيره، بدلا من أن نصل إلى مرحلة، يندم فيها كل عاشق على ما سبق، ويقدم استقالته نهائيا من حياة العشق والهوى!