حنان أبو الضياء
فى كتابه الأخير القيادة: ست دراسات فى الاستراتيجية العالمية (Leadership: Six Studies in World Strategy)، لا يزال هنرى كيسنجر، البالغ من العمر 99 عاما، قادرا على كتابة الكتب، وتذكر الأشخاص والأحداث، وإعطاء الآراء عن القضايا والشخصيات، بينما يكافح العديد من الأشخاص الذين وصلوا إلى هذا السن لتذكر أسمائهم، رغم أنه لم يشغل منصبا منذ عام 1977، فقد نصح تقريبا كل رئيس أمريكى منذ نيكسون سجله ووجهات نظره تقسم الرأى بعمق لكن نادرا ما يتم تجاهله.
الكتاب عبارة عن صور مرسومة من كيسنجر للسياسيين يلتقطون الضعف والهزيمة، ويحولونه إلى قوة متجددة، مقدما صورة آسرة لدراسة حيوية للقوة فى العمل.
يعتقد هنرى كيسنجر إن القائد الفردى، وأسلوبه فى الحكم، يمكن أحيانا تحديد التاريخ، ويهتم أكثر بكيفية تصرف القادة على المسرح العالمى، ولايهمه إذا كانوا يكذبون على برلماناتهم، أو ينتهكون قوانينهم.
بالنسبة إلى كيسنجر، يتمتع القادة الجيدين بتقدير عميق للماضى وقدرة على تخيل المستقبل المحتمل. يقول كيسنجر إن بعض القادة أنبياء يرون الحاضر "ليس من منظور الممكن، بقدر ما هو من منظور الضرورة".
النوع الآخر، رجال الدولة، يديرون التغيير لكنهم محافظون بالمعنى القديم للحفاظ على جوهر مجتمعهم، منذ أن وضع كيسنجر روبسبير ولينين فى المعسكر السابق وميترنيخ وفرانكلين ديلانو روزفلت فى المعسكر الأخير، فليس من الصعب أن نرى أين يكمن تعاطفه.
يرى أن أنور السادات صاحب استراتيجية التعالى، بعد وفاة جمال عبد الناصر، أصبح صديقه المقرب أنور السادات رئيسا لمصر فى عام 1970، ولم يكن من المتوقع فى البداية أن يتولى السادات منصبه، وخصوصا بعد أن تم التقليل من شأنه على نطاق واسع، لكن بفضل مناوراته السياسية الذكية، نجح فى تعزيز موقعه.
بدأ السادات التحرير الاقتصادى وتحول السياسة الخارجية بعيدا عن الاتحاد السوفيتى، وتمكن من تعزيز موقفه فى مفاوضات السلام مع إسرائيل بهجوم مفاجئ على شبه جزيرة سيناء المحتلة، وفى عام 1979، أبرم معاهدة السلام بين إسرائيل ومصر، التى سيطرت فيها مصر على سيناء مقابل اعتراف دبلوماسى بإسرائيل، غير أن الاتفاقية عزلت السادات فى العالم العربى وكلفته حياته عندما اغتيل على يد الإسلاميين فى هجوم عام 1981.
يسلط الكتاب الضوء على إنجازات كيسنجر الخاصة، من خروج الولايات المتحدة من فيتنام، إلى الانفتاح على الصين والدبلوماسية المكوكية التى جلبت، لبعض الوقت، وعد السلام للشرق الأوسط.
ينتهى الكتاب بملاحظة متشائمة، من أين تأتى القيادة الجيدة والفعالة، تبدو النخب الديمقراطية منفصلة عن مجتمعاتها وغير مستعدة لتحمل المسؤولية عن مشاكل العالم، ويحذر من أن النظام العالمى يهتز بسبب "تفكك مناطق بأكملها" و"العداء المتزايد للقوى العظمى مع تناقض ادعاءات الشرعية".