مريم عيد
فمن المنطقى أن التاريخ المدون قد استطاع أخيراً عندما بدأ التسجيل والتأريخ أن يرصدها بعد أن كانت قد سبقته فعلياً بآلاف السنين حضارة غناء قد اكتملت أركانها على ضفاف النيل، كما يقول تتر مسلسل "سره الباتع" بصوت الفنان محمد منير، ومن كلمات الشاعر مصطفى إبراهيم بشجن تاريخى:
قبل الزمان بزمان قبله
جه النور هنا وربط حبله
على القلوب اللى اتقابلوا
ومشيوا فى ظل سبيلك
فكانت مصر مصدر جذب للكثيرين سواء محبين أو كارهين، ويمثل العاشقين لها شخصية العالم والمفكر الفرنسى "كليمون" التى جسدها الفنان الكبير "حسين فهمى" ببراعة، والذى يعكس الجانب الآخر للحملة الفرنسية العاشق لمصر، ويعكس فى ذات الوقت الوجه الحضارى لـ فرنسا، وكيف أن الثورة الفرنسية التى قامت على مبادئ الحرية، والإخاء، والمساواة قد خالفت مبادئها فى الاستعمار الفرنسى، لتعيد المساجين الذين أطلقت سراحهم من سجن الباستيل إلى سجونهم فى عدة دول أخرى.
كان أداء الفنانة حنان مطاوع متميزاً، ونابضاً بالحياة فى تصويرها لشخصية "صافية" بثوريتها، وبراءتها، وعشقها لبطل المسلسل "حامد" أو الفنان "أحمد السعدنى" الذى كان أداؤه طبيعياً، وعفوياً، وشبابياً وبصورة غير مبالغ فيها، وغير خطابية، والذى على الرغم من بطولته اعترض فى أحد مشاهد المسلسل على استغلال المماليك للفلاحين فى محاربة الفرنسيين، وهم غير مسلحين، وغير مدربين على استخدام نفس الأسلحة.
والأم المصرية المكلومة، أم الشهيد حامد "هالة صدقى" بأدائها العذب الذى يزداد عذوبة يوماً بعد يوم، والأم التى تنهى وتأمر وتبدى تنمراً لابنتها فى حين أنها شديدة الطيبة "عايدة رياض".
وشيخ البلد الذى أصبح بطلاً وطنياً الفنان "خالد الصاوى" الذى قدم أداءً متمكناً كعادته.
أجاد النجم أحمد عبد العزيز أداء دور "الحاج شهاب" وقدم الشر والخبث المتواريين فى ثياب الخير والرصانة، وصنع الفنان "مفيد عاشور" تعادلاً فى الاتجاه المعاكس بأدائه لشخصية "الشيخ يحيى" على الرغم من قلة المشاهد التى ظهر فيها إلا أنه قدم الدعم الإنسانى المطلوب لشباب القرية.
وقاد الفنان "أحمد فهمى"، الذى سُمى "حامد" تيمناً باسم "السلطان حامد"، رحلة البحث عن أسرار حياة السلطان حامد ليشد انتباه متابعى المسلسل بأداء عفوى، وهادئ.
يذكر المسلسل متابعيه بأجواء فيلم "وداعاً بونابرت" ولكن بمذاق دراما تليفزيونية متميزة، ومختلفة، من أدب الكاتب الكبير "يوسف إدريس"، والمخرج المبدع ذو الحس الوطنى الرفيع خالد يوسف، ليرسم المسلسل لوحة فنية بديعة أبطالها من أبناء الريف الذين تتألف منهم غالبية الجيوش، والذين شاهدناهم فيما سبق من أعمال فنية فى ميادين القتال أو على الجبهة، أما المسلسل فقد ذهب إلى الريف ذاته فى عقر داره ليمنح الريف المصرى مسحة أسطورية، ونرى معه صورة مصر التى لا ينضب خيرها حتى مع وجود الأعداء المتربصين بها فى الداخل، وفى الخارج فى صورة امرأة تطحن على الرحى:
رحاية يا أمه على الغلة
وعلى الأعادى اللى تجيلك
كما شاهدنا مواقع تصوير مفتوحة لم تكتف بتصوير بيوت الفلاحين المغلقة النوافذ من داخلها كما تظهر فى العديد من المسلسلات، ولكن أخذنا إلى الطبيعة الفسيحة للريف الممتدة على ضفاف النيل بواديه، ودلتاه، وما وراءهما، لتشدو كلمات تتر المسلسل بمصر، وبنيلها، وكأنها تقول "تحيا مصر" بصورة أخرى فنية:
وتعيشى ويفرق نيلك
شربات شهيدك ع المخاليق
وهذا هو سر الشهيد الباتع الذى "مات علشان ما تعيش هى"، بل سر "مصر" الباتع القادرة دائماً على الديمومة، والاستمرار، وتحدى وجه الزمن منذ الهكسوس؛ ومروراً بالروم، والتتار؛ ووصولاً إلى أحداث 2011، وثورة 2013 ففى الوقت الذى كانت تتم فيه العملية العسكرية الشاملة على مواقع التنظيمات الإرهابية على أرض سيناء كانت بيوت المصريين، ومساجدهم، وكنائسهم فى كل مكان على أرض مصر مضاءة كما يتجلى التتر فى أبدع كلماته:
سرك قديم يا أم الأسرار
يعدوا روم ويعدوا تتار
قايده لعداكى غيطان النار
وللحبايب قنديلك