البث المباشر الراديو 9090
الدكتور شحاتة غريب
انعقدت خلال الأيام الماضية، قمة جدة فى المملكة العربية السعودية، بحضور قوى للزعماء العرب، ولم يتغيب عن حضور أعمال القمة سوى الزعيم الجزائرى عبدالمجيد تبون، ويعد حضور الرئيس السورى بشار الأسد، هو الحدث الأبرز والأهم على المستويين العربى والدولى، نظرا لغياب سوريا عن الجامعة العربية منذ أعقاب أحداث ما يسمى بالربيع العربى، الذى أدى إلى إحداث فرقة عربية، وانقسام داخل بعض الدول العربية، ما زالت شعوب هذه الدول تعانى من آثاره المدمرة حتى وقتنا هذا.

وما يميز قمة جدة، أنه يمكن تسميتها بأنها قمة الحياد، وأيضا الانحياز، فقد كان القادة العرب على درجة كبيرة من الوعى والحذر والحكمة، تجاه كل الملفات المعروضة على طاولة القمة، فلم نجد زعيما واحدا يدلى بأقوال غير مسئولة، بشأن كل القضايا الشائكة فى المنطقة العربية، فلم تأخذه أية أجندات خارج السياق، وبعيدا عن الهدف الأوحد، الذى تسعى لتحقيقه كل الدول العربية، وهو لم الشمل العربى، وإعادة الريادة والمكانة والقيادة لهذه الدول، بشأن شئونها الداخلية دون أية املاءات خارجية.

فقد كان واضحا الانحياز الكامل للقضية الفلسطينية، ووصفها بأنها القضية المركزية لكل الدول العربية، وأنه لا يمكن بأى حال من الأحوال تحقيق الاستقرار فى المنطقة، بدون الحل الشامل والعادل، الذى يضمن وجود الدولة الفلسطينية، بحدود عام 1967م، وعاصمتها القدس الشرقية، وأنه يجب على المجتمع الدولى الشعور بمسئوليته لإنهاء الاحتلال، ووقف الانتهاكات المتكررة لحقوق الشعب الفلسطينى، وأن هذه الانتهاكات إذا استمرت من الجانب الإسرائيلى، فإنها ستؤدى حتما إلى عرقلة كل الجهود الرامية إلى تعزيز الحل السياسى للقضية، كما أن ما تفعله إسرائيل باستمرار بهدف التغيير الديموغرافى للقدس، والقضاء على هويتها، ووضعها التاريخى، لا يساهم فى حلحلة الأزمة، بل زيادتها تعقيدا، وإحداث حالة من الغضب بين صفوف كل الشعوب العربية، ما يؤدى إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار فى المنطقة برمتها.

تجدر الإشارة إلى أن تحيز القادة العرب إلى القضية الفلسطينية، بات أمرا بديهيا، ولم يندهش أى مواطن عربى من الانحياز الكامل لهذه القضية، بل بالعكس قد نجد من الممكن أن يعلن أى مواطن عربى عن غضبه، إذا لم يكن هناك انحياز كامل للقضية الفلسطينية، على أساس أنها ليست قضية مركزية بالنسبة للقادة العرب فقط، بل يمكن القول إنها الشغل الشاغل لكل الشعوب العربية، ولا توجد قضية أخرى فى المنطقة، يمكن أن تحل محل القضية الفلسطينية من ناحية الاهتمام بها، وبذل الجهود المضنية من أجل الدفاع عنها.

ولكن ما يلفت الانتباه فى هذه القمة، بشأن فكرة الانحياز من عدمه، هو ما يتعلق بحضور الرئيس الأوكرانى زيلينسكى قمة جدة، وإلقائه كلمة، أمام الزعماء العرب، بشأن ما يحدث فى أوكرانيا، وما ترتب على الحرب الروسية الأوكرانية من دمار شامل للبنية الأساسية فى أوكرانيا، وتشريد مئات الآلاف من الأبرياء.

وأحدثت واقعة حضور زيلينسكى، قمة جدة، جدلا ونقاشا واسعا فى المحيط العربى، وهل هذا يعد تحيزا من الجامعة العربية والقادة العرب للجانب الأوكرانى على حساب الجانب الروسى؟ وهل حضور الرئيس زيلينسكى القمة يعتبر بمثابة ترضية لأمريكا والغرب، بسبب عدم رضاهم عن الحضور السورى للقمة، وعودة الرئيس بشار الأسد فى أحضان الجامعة العربية؟ أم إن ما حدث فى هذا الخصوص يمثل عكس ما سبق ذكره، وأن حضور زيلينسكى القمة كان لتوضيح وتأكيد عدم الانحياز العربى لروسيا.

فى الحقيقة، أعتقد أن حضور زيلينسكى القمة العربية، لم يكن مقصودا منه الانحياز له، بقدر ما كان مقصودا منه ترضية الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، بسبب السماح لوزير الخارجية الروسى، بحضور بعض الفعاليات العربية، وطرح وجهة النظر الروسية، دون أن يقابل ذلك وجود مساحة للجانب الأوكرانى لبيان موقفه.

ويمكن أيضا إضافة أنه فى ظل حالة الإصرار العربى على عودة سوريا لأحضان الجامعة العربية، ولم الشمل، وما قابل ذلك من استنكار أمريكى وغربى، وأن الوقت لم يحن بعد لإجراء هذه العودة، فقد أدى كل ذلك إلى اتخاذ القرار بشأن حضور زيلينسكى القمة، لترضية أمريكا والغرب من ناحية، وكى لا يتهم العرب بالانحياز لروسيا من ناحية أخرى.

وفى إطار حرص الجامعة العربية والقادة العرب على لم الشمل العربى، لم يضعوا فى حسبانهم الرفض الأمريكى الغربى لعودة سوريا للحضن العربى، ولم يتم إخفاء الانحياز الكامل للرجوع السورى، وأن وجود سوريا فى البيت العربى، يساعد على تحقيق الاستقرار فى المنطقة، وقد يساعد على حل العديد من المشكلات، ويساهم بطريقة إيجابية فى الملف اليمنى، واللبنانى، ويعمل على عدم توسيع الفجوة بين إيران والعرب، كما أن الأهم من كل ذلك هو الملف الداخلى فى سوريا، حيث يمكن حل مشكلة اللاجئين السوريين، وعودتهم إلى وطنهم، وأن يتم التفكير فى المستقبل السورى وإعادة بناء ما تم تدميره فى السنوات الماضية.

وكان جليا الموقف الحيادى للقمة بشأن القضية السودانية، والتأكيد على أهمية مساندة الحل السياسى للأزمة بين الفرقاء السودانيين، وأن استمرار الصراع وحالة الانقسام فى الصف السودانى، لا تؤدى إلى تحقيق طموحات الشعب السودانى وتطلعاته نحو مستقبل أفضل، بل قد يؤدى هذا الانقسام إلى تدمير البنية التحتية للدولة، وشيوع الفوضى أرجاء كل المناطق، ما يؤدى إلى ضياع الوطن.

ولم يتبع القادة العرب، منهج الحياد تجاه الحركات والميليشيات المسلحة، التى انتشرت فى كثير من المناطق العربية، وأصبحت تمثل خطرا داهما على مستقبل الوطن العربى، بل كان انحياز القادة العرب واضحا للدولة الوطنية، التى نادى بها الرئيس عبدالفتاح السيسى، والإيمان الكامل بها، ورفض كل أشكال الدعم والمساعدة للميليشيات، والرفض القطعى لكل الحركات والجماعات التى تعمل خارج نطاق مؤسسات الدولة، كما يجب العمل على وقف كل صور التدخل الخارجى فى الشئون الداخلية للوطن العربى، لأن السماح بهذا التدخل يؤدى إلى تفاقم حدة الصراعات الداخلية، وستكون الشعوب هى المضرور الوحيد من هذه الصراعات.

كما تم التأكيد على ضرورة تحقيق التنمية المستدامة، بكل صورها، كى ينعم المواطن العربى بحقوقه الأصيلة، ووجوب أن تتكاتف كل الجهود من أجل حماية المواطن العربى، وأن يدرك الجميع أن الاتحاد، والتكاتف، والتعاون، ونشر السلام، هى المنقذ للشعوب من ويلات الحروب، والصراعات، وما يترتب عليها من دمار شامل لكل شىء مادى ومعنوى على حد سواء.

لذلك ينبغى علينا جميعا، أن نساند القيادة السياسية فى كل ما جاء فى البيان الختامى لقمة جدة، وأن ننحاز لكل ما يحقق الرخاء للوطن، وأن ننحاز لكل ما يحقق التنمية الشاملة، والحفاظ على هويتنا، وقيمنا الثقافية، واحترام الآخر، وأن نكون حكماء تجاه قضايانا الداخلية والإقليمية، وأن نختار طريق الحياد تجاه بعض الملفات، لأن الانحياز لطرف دون الآخر، يؤدى إلى تفاقم الأزمة، وليس حلها، وأن نفهم وندرك جيدا أن اختيار طريق الحياد أو الانحياز، يحتاج إلى مزيد من الحكمة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز