الدكتور شحاتة غريب
فلا يمكن إطلاقا أن نغفل ما حدث فى احتفال السادس من أكتوبر، عندما تم دعوة بعض العناصر الإرهابية المتورطة فى اغتيال صاحب نصر أكتوبر الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وكأن قيادات الجماعة لا تقدر مشاعر المصريين، ولا تهتم باعتزازهم بقادة نصرهم، وأبطالهم الذين ضحوا من أجل مصر.
لا يمكن أن نغفل أيضا إفراج قادة الإخوان عن كل المجرمين، الذين تورطوا فى ارتكاب جرائم إرهابية ضد الوطن ومقدراته، وأعدوا العدة ليس لنصر دين الله كما يدعون، بل أعدوا ما استطاعوا من قوة للمساس بأمن الوطن، والنيل من استقراره، وتهديد التماسك الاجتماعى، وتلفيق المعلومات عن كل رموز الوطن، لتشويه تاريخهم النضالى، وهز الثقة بينهم وبين الشعب!
فلم تقم ثورة الثلاثين من يونيو 2013 من فراغ، بل قد قامت لإنقاذ الوطن من الحكم الاستبدادى، الذى أخذ على عاتقه إقصاء كل وطنى من المشاركة فى أى مجال، لمنعه من مساندة الوطن فى عثرته ومحنته.
ويجب التنويه فى هذا الصدد إلى أن هذه الثورة لم تقم لإنقاذ مصر فقط من ويلات الفاشية الدينية، والفتن الطائفية التى كادت أن تقضى على الأخضر واليابس من خير مصر، ولكن هذه الثورة العظيمة قد أنقذت أيضا وبحق المنطقة برمتها.
فلم تقدم ثورة الثلاثين من يونيو الاستقرار لمصر فقط، بل قدمته لكل المنطقة، فلو استمر حكم الجماعات المتأسلمة، فإن ذلك قد كان من الممكن أن يؤدى إلى ضياع معالم خريطة الوطن العربى بصفة خاصة، ومنطقة الشرق الأوسط بصفة عامة، فلا ينبغى أن ننسى دور الثورة فى إفشال مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذى خططت له أمريكا وبعض الحلفاء، بهدف إعادة تقسيم خريطة الشرق الأوسط بما يجعلها منطقة صراعات، وحروب مستمرة، حتى لا تستطيع أى دولة من دول المنطقة تحقيق التنمية فى أى مجال!
ولعل المتابع للأحداث الدولية التى أعقبت نجاح ثورة الثلاثين من يونيو 2013، يدرك حجم الضغط الأمريكى وبمساعدة بعض الدول، والأجهزة، من أجل إجهاض الحلم فى استمرار نجاح هذه الثورة، وقد سخرت الإدارة الأمريكية كل إمكانياتها، وبالتعاون مع بعض العملاء فى الداخل، من أجل تشويه الثورة، ووصفها ببعض الأوصاف التى تنال من تلقائية قيام الشعب بها، بحثا عن الوطن الذى كاد أن يضيع بلا عودة.
فلا ريب أن ثورة الثلاثين من يونيو قد كانت الملهم لانتفاضة العديد من الشعوب فى المنطقة، ضد التطرف والإرهاب، وقد كانت الملهم للعديد من الحركات الوطنية المخلصة، لإنقاذ بعض العواصم العربية من سيطرة الجماعات المتأسلمة، التى تتخذ من الدين ذريعة لإخفاء مآربهم، وطموحاتهم غير المشروعة فى المنطقة.
ويجب علينا جميعا أن ندرك موقف الإدارة الأمريكية فى وقتها من الثورة، ونسأل أنفسنا: هل هذه الإدارة قد كانت حريصة على تحقيق نهضتنا واستقرارنا؟! وهل هذه الإدارة قد كانت مؤمنة بنجاح التجربة الدينية فى حكم مصر، وفى حكم غيرها من دول المنطقة؟! وهل هذه الإدارة قد كانت حقا تريد تحقيق الديمقراطية وتدعيم الحقوق والحريات؟!
أبادر بالنفى، لأن الإدارة الأمريكية قد صابها حالة من الذهول، والصدمة، والقلق، عندما رأت أمام أعينها نجاح الثورة، وهذا التلاحم العظيم بين الشعب والجيش، وبين الشعب والشرطة، وهنا قد أدركت هذه الإدارة أن حلمها فى منطقة الشرق الأوسط قد تم إجهاضه، وأن مخططها فيما يتعلق بالمنطقة، وإعادة رسم خريطتها قد سقط، ولذلك حاولت بكل الطرق أن تزعزع ثقة الداخل والخارج فى مشروعية الثورة!
فما قدمته ثورة الثلاثين من يونيو للمنطقة، يجعل كل شعوب هذه المنطقة مدينة لهذه الثورة، ويجب حينئذ الدفاع عن مكتسبات هذه الثورة، وأهدافها، وأن تتكاتف هذه الشعوب مع بعضها البعض، وأن تساند مصر بكل ما تملك، حتى لا يتم إعطاء الفرصة لنجاح أى مخطط آخر، قد نندم بعد فوات الأوان، بسبب ما يمكن أن يترتب على نجاح هذا المخطط، من أضرار جسيمة بالمنطقة، وتهديد أمنها، واستقرارها، وعرقلة تنفيذ كافة السياسات الإصلاحية من أجل تنميتها!