الدكتور شحاتة غريب
وغير ذلك من العبارات التى تؤكد العديد من القيم الإنسانية، التى ينبغى أن نتحلى بها، وأن تعمل المنظمة الدولية على الحفاظ عليها، وأن تبث الثقة بين الشعوب تجاهها، وأنها قادرة على حمايتهم من كل المخاطر، التى يمكن أن يتعرضون لها بسبب الفاشية، أو التطرف، أو القمع، أو العدوان، أو الجرائم ضد الإنسانية، التى ترتكبها بعض الدول ضد بعض الشعوب، للقضاء على هويتهم، وحضارتهم، وطمس معالم تاريخهم!
والتساؤلات التى تفرض نفسها فى هذا الصدد، وخاصة فى ظل المجازر الإسرائيلية المرتكبة هذه الأيام فى جنين الفلسطينية، تكمن فى الآتى: "هل استطاعت المنظمة الدولية أن تحمى الشعب الفلسطينى من ويلات الحرب؟! وهل استطاعت المنظمة الدولية أن تحمى الشعب الفلسطينى فى جنين من الجرائم ضد الإنسانية التى يرتكبها الاحتلال الإسرائيلى؟! وهل استطاعت المنظمة الدولية أن تحافظ على الحقوق الأساسية للمواطن الفلسطينى فى جنين؟! وهل استطاعت المنظمة الدولية أن تبث قيم التسامح وتواجه بقوة التهديد المباشر لهذه القيم من قبل الجيش الإسرائيلى؟!"
أبادر بالنفى، فلقد سقطت قيم التسامح تحت مدرعات ودبابات الاحتلال الإسرائيلى، ولقد سقط العدل على المداخل، واستشهد السلام فى وطن السلام، كما غنت فيروز، وراح الشعب فى جنين ضحية السياسات الكاذبة للمنظمة الدولية، وسالت دماء الأبرياء على الأرض الطاهرة، بأسلحة المجرمين الإسرائيليين، الذين استباحوا كل شيء فى جنين، وأصبحت متعتهم لا تعترف ولا تتحقق بسماع موسيقى وألحان السلام، ولكنها تتحقق بسفك المزيد من دماء الأبرياء، فى ظل صمت رهيب ومشكوك فيه تبنته المنظمة الدولية!
فأى حقوق تتحدث عنها ديباجة ونصوص المنظمة الدولية؟! وأى عدل أو مساواة أو كرامة ينادى بهم القائمين على هذه المنظمة؟! فما يحدث فى جنين يؤكد أننا نعيش فى خطر محدق، وكأننا ما زلنا العصور البدائية، وأن البقاء للأقوى، ولا مكان لأى قيم إنسانية، وأن الجيش الإسرائيلى له الحق فى أن يفعل ما يشاء، ويرتكب ما يحلو له من الجرائم، بحجة الدفاع عن الأمن الإسرائيلى، وأن كل ما يحدث فى جنين وغيرها من المدن الفلسطينية من مذابح للأطفال والشباب والشيوخ والنساء، لا يهم طالما أن ذلك يحقق الأمن والأمان لإسرائيل حسب مفهومها، وليس أمام الشعب الفلسطينى إلا تشييع جنازات الأبرياء، إذا استطاع أصلا أن ينتشلهم من تحت الأنقاض!
ولعل كل الأحاديث التى يدلى بها القادة الإسرائيليين فى وسائل الإعلام، حول ما يحدث فى جنين، تؤكد مدى الخداع، والأكاذيب التى تستخدمها إسرائيل، لمحاولة اقناع الرأى العام العالمى، بأن الشعب الإسرائيلى قد بات ضحية الإرهاب الفلسطينى، وأن ما يحدث فى جنين ليس إلا بحثا عن الخلايا الإرهابية التى تمثل خطرا داهما على أمن إسرائيل، وغير ذلك من أساليب وفنون المكر والتضليل الإسرائيلى، للتغطية على أفعالهم الإجرامية، وعدوانهم اللاإنسانى المستمر على الشعب الفلسطينى!
فلا تهدف حقا إسرائيل من عمليتها العدوانية فى جنين إلى القضاء على الإرهاب كما تدعى، ولكنها تهدف إلى التغطية على توسعاتها الاستيطانية، وتهويد المدن الفلسطينية، وضياع هويتها، وتشريد الشعب الفلسطينى من أرضه، كى تكون مكانا للمستوطنات الإسرائيلية، وأن يحدث تغييرا ديموجرافيا جذريا، يعمل على إحياء الهدف الإسرائيلى فى قيام دولتهم، حتى ولو كان ذلك قاضيا على الحلم الفلسطينى بإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.
وللأسف الشديد كل هذه الأهداف الخبيثة للكيان الإسرائيلى، يتم السعى بقوة من قبل الجيش الإسرائيلى لتحقيقها، فى ظل تواطؤ مقصود للمنظمة الدولية، مما يؤكد سقوطها سقوطا مهينا فى أعين كل الشعوب المحبة للسلام.