حنان أبو الضياء
وأردت الاستعانة بما اعترف به صاحب كتاب "ناصر" الذي أصدره عام 72، السير أنتوني نوتنج، الدبلوماسي البريطاني والسياسي من حزب المحافظين -الذي شغل منصب عضو في البرلمان من عام 1945 إلى عام 1956، وكان وزير دولة للشؤون الخارجية من عام 1954 حتى استقالته عام 1956 احتجاجا على غزو السويس، والذي اعترف زميله، السير إدوارد هيث، بأنه في البداية حاول قمع شكوكه بشأن أزمة السويس عام 1956 ليظل رئيسا، خوفا من فئران حزب المحافظين التي تهاجم مصر- بأنه كان داعما ظاهريا لتلك المؤامرة الإمبريالية المجنونة لغزو مصر مع الفرنسيين والإسرائيليين، وجرى هذا المخطط سرا من نصف حكومة إيدن، ونتيجة لذلك ظل غير متوازن نفسيا لدرجة أنه أجبر من أطبائه على الاستقالة بعد شهرين.
واستقال نوتنج المساعد المقرب من إيدن، الذي كان ينظر إليه سابقا على أنه الفتى الذهبي وزعيم حزب المحافظين المستقبلي المحتمل، من منصب وزير الدولة في وزارة الخارجية، واضطر للتخلي عن مقعده الآمن في ميلتون نتيجة لاحتجاجه ضد إيدن.
وقال نوتنج في وقت لاحق بأسى: "إنها خطة كارثية، ربما أكون الوزير الوحيد الذي استقال على الإطلاق لأسباب مبدئية دون الإدلاء ببيان برلماني، لقد قمت بإعداد عدة مسودات لكنني قررت أنني لا أستطيع إخبار مجلس العموم بما حدث بالفعل دون انتهاك قانون الأسرار الرسمية والقسم الذي أديته".
لقد احترم نوتنج المعاهدة التي جرت عام 1954 بعد تفاوض على الخطوات النهائية مع الرئيس جمال عبدالناصر، التي بموجبها انسحبت القوات البريطانية من السويس؛ لذلك عندما اكتشف خطة الغزو البريطانية والفرنسية المشتركة في اجتماع عقد في 14 أكتوبر 1956، اعتقد أن المهمة كانت خاطئة ومضللة؛ وبصفته مستعربا ودبلوماسيا متمرسا يتبع نهجا أكثر حداثة، كان نوتنج يعلم أن خطة إيدن في السويس مستحيلة، لكن مصيره في حالة معارضته أن يصبح منبوذا سياسيا مدى الحياة.
كانت هذه مؤامرة ثلاثية مع فرنسا وإسرائيل لاستعادة قناة السويس، التي أممها الرئيس الراحل عبدالناصر، وكان التظاهر هو أن بريطانيا وفرنسا سوف تغزوان، في حين تتظاهران بالفصل بين الإسرائيليين والمصريين. وظل هذا الأمر سرا عن أعضاء مجلس الوزراء مثل "راب" بتلر، وعن الرئيس أيزنهاور ووزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس، الذي عرف إيدن أنه لن يتسامح معه.
وكان نوتينج مرعوبا، لقد أراد معارضة الخطة علنا لكنه كان محاصرا كمستودع لأسرار الحرب بعد أن أصبح مستشارا خاصا لأيدن قبل عامين.
وفي كتابه يقول: "مشكلتي هي أنني لم أتمكن من الدفاع عن هذه السياسة لأنني لم أكن على استعداد لقول الأكاذيب في مجلس العموم والأمم المتحدة".
عندما اندلعت الحرب، استقال، بعد أسبوعين، على الرغم من حث هارولد ماكميلان على التمسك بوعده، "سوف تقود الحزب يوما ما"، وكان الوزير الآخر الوحيد الذي استقال هو السير إدوارد بويل.
كان ينظر إلى تصرفات نوتنج على نطاق واسع من قبل زملائه المحافظين، على أنها "خيانة"، حيث كانوا يعانون من درجات مختلفة من حمى الحرب الإمبراطورية.
تخلى عنه حزب دائرته الانتخابية، التزام الصمت، تحت ضغط من سكرتير مجلس الوزراء السير بيرك؛ فلقد كان عليه أن يحكي القصة كاملة كما رأها، أو لا يقول شيئا على الإطلاق، كتب: "وطالما أن الشخصيات الرئيسية فى حرب السويس ما زالوا يشغلون مناصب رفيعة في بريطانيا، فمن الواضح أنه سيكون ضررا جسيما للأمة، التي ما زالوا يقودونها ويمثلونها في مجالس العالم، أن أخبر الجميع قصة الحقيقية لحرب السويس".
ولم يحاول أنتوني نوتنج، تقديم تفسيرا محددا لاستقالته إلا بعد مرور 11 عاما في كتاب "لا نهاية للدرس"؛ معلنا أن دعم عمل السويس كان سيضعه في موقف الكذب على مجلس العموم والأمم المتحدة.
لقد تسببت الأزمة له في الكثير من المرارة لدرجة أنه بعد تقديم تفسير استقالته، تعرض لضغوط من سكرتير مجلس الوزراء لعدم المضي قدما فى ما قاله، والتراجع عنه، وكان هناك تهديد بمقاضاته بموجب قانون الأسرار الرسمية.