محمود بسيونى
تأمل كل أطراف الأزمة أن تكون الهدنة قابلة للتمديد، وهو تحدي كبير في ظل وجود تيارات متطرفة على الجانبين، وأيضا في ظل غياب أي رادع دولي للمجازر التي ارتكبتها قوات الاحتلال، وشعور الحكومة الإسرائيلية بأنها فوق الملاحقة الدولية عن جرائمها في غزة.
مصر تحركت منذ الساعات الأولى للتصعيد في غزة، هي الطرف الأكثر فهما لأبعاد ذلك التصعيد بعيدا عن المزايدات الفارغة، والشعارات المستهلكة، مصر هي الأكثر خبرة بالطرفين والطرف الأكثر تحملا للمسؤولية منذ بداية الصراع قبل 75 عاما، حاربت وانتصرت واختارت السلام كخيار استراتيجي نجح في استعادة كامل الأرض وفرض الهدوء على الحدود المصرية، ورغم ذلك لم تتخل عن القضية الفلسطينية ورفضت كل محاولات تصفيتها وقدمت دعما لا ينتهي للأشقاء في فلسطين من أجل حماية حياتهم، والحفاظ على ما تبقى من حلم الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
كان التحرك المصري على ثلاثة أبعاد إنساني وتفاوضي ورادع لحماية الأمن القومي المصري، اعتمد البعد الإنساني على فتح معبر رفح لإرسال المساعدات الإنسانية العاجلة إلى القطاع مع بداية القصف الإسرائيلي، وكانت مصر تدرك جيدا أن سكان القطاع بحاجة ماسة إلى الغذاء والمياه والأدوية، بعدما قررت إسرائيل ارتكاب جريمة حرب ضد المدنيين في القطاع، وأوقفت امدادات المياه والغذاء عن القطاع، وحاصرت كل سبل الحياة.
ودعا الرئيس عبدالفتاح السيسي، إلى تقديم المساعدات إلى غزة، وتحركت الدولة المصرية ومؤسسات المجتمع المدني، لتقديم المساعدات والمرابطة على المعبر، والضغط على إسرائيل بكل الوسائل، حتى نجحت مصر في فرض إرادتها.
حرص الرئيس السيسي، منذ اللحظة الأولى في التواصل مع جميع الأطراف والقوى الدولية، للتوصل إلى حل يحقن الدم الفلسطيني، ويحقق هدنة أولية على طريق وقف إطلاق النار.
واستخدمت مصر خبراتها الكبيرة في ملف الوساطة بين إسرائيل وحماس وباقي الفصائل الفلسطينية، وكانت مصر هي المفاوض الموثوق فيه، والذى لديه علاقات بكل أطراف الأزمة، وصاحب الممارسة السياسية الشريفة الباحثة عن التهدئة دون حسابات ضيقة، واكتشف العالم ثقل مصر الكبير في تلك القضية وأهمية الاستماع إلى صوتها، فهي صاحبة صوت السلام، وسجلت حضورها منذ اليوم الأول بقمة القاهرة للسلام والدبلوماسية الرئاسية النشطة للرئيس عبدالفتاح السيسي، وعبر أكثر من 60 اتصالا تليفونيا مع قادة العالم من أجل الوصول إلى تهدئة في القطاع والتحذير من تصفية القضية الفلسطينية على حساب الأراضي المصرية أو إعادة توطين الفلسطينيين في دول أخرى، وهى الخطة الإسرائيلية التي أعلنتها قبل أيام وزيرة المخابرات في حزب الليكود، جيلا جملئيل، أن على المجتمع الدولي تعزيز "إعادة التوطين الطوعي" للفلسطينيين في غزة في مواقع حول العالم.
وكتبت في صحيفة "جيروزاليم بوست" أن أحد "الخيارات" بعد الحرب سيكون "تشجيع إعادة التوطين الطوعي للفلسطينيين في غزة، لأسباب إنسانية، خارج القطاع".
وأضافت: "بدلاً من تحويل الأموال لإعادة بناء غزة أو للأونروا الفاشلة، يمكن للمجتمع الدولي أن يساعد في تكاليف إعادة التوطين، ومساعدة سكان غزة على بناء حياة جديدة في البلدان المضيفة الجديدة لهم".
كلام الوزيرة الإسرائيلية، يشكل ملامح الخطة الصهيونية لتصفية القضية الفلسطينية عبر تهجير سكان القطاع والضفة وما تبقى من فلسطين التاريخية باتجاه سيناء أو الأردن، وحينما تحركت مصر والأردن لوقف المخطط أصبح المطروح حاليا هو تهجير الفلسطينيين إلى خارج الأراضي المحتلة وإنهاء حل الدولتين.
الرد المصري كان رادعًا وسريعًا على المخططات الإسرائيلية، وعبرت عنه الجلسة التاريخية التي شهدها مجلس النواب، بحضور الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء، والذي أكد على مجموعة من الرسائل في كلمته التاريخية:-
-أن مصر لن تتوانى عن اتخاذ جميع الإجراءات التي تضمن أمن وصون حدودها، وحال حدوث أي نزوح إلى الأراضي المصرية سيكون لها رد حاسم وفق القانون الدولي.
-إن معبر رفح لم يغلق ثانية واحدة منذ بداية الحرب على غزة، والأكاذيب التي قيلت حول ذلك جزء من حروب الجيل الرابع للتشكيك في الجهود التي تتم وتقوم بها مصر، لافتا إلى أن معبر رفح من الجانب الفلسطيني تعرض للقصف أكثر من مرة لمنع خروج الجرحى ودخول المساعدات.
-أن الرئيس السيسي والقوات المسلحة، تعي ما يحاكى من مؤامرات ومصر قادرة على حماية أمنها القومي.
-وأعرب عن تضامن الشعب المصري، الكامل مع الشعب الفلسطيني وأن الحل للقضية هو إقامة دولة فلسطينية على حدود 67.
-وحذر من السياسات الإسرائيلية القائمة على إغلاق الأفق أمام الفلسطينيين ستكون عواقبه وخيمة ليس فقط في المنطقة، بل في كل العالم.
-حجم المساعدات الإنسانية التي قدمتها مصر لقطاع غزة بلغت نحو 11 ألفًا و200 طن من مواد غذائية وأدوية ومياه وغيرها رغم الظروف الاقتصادية، في حين قدمت دول العالم نحو 3 آلاف طن، أي أن مصر قدمت 4 أضعاف ما قدمه العالم، حيث تستمر القوافل والمساعدات الإنسانية على مدار اليوم، بالإضافة إلى أن هناك خطة قد وضعت للمصابين القادمين من قطاع غزة، من خلال تجهيز مستشفيات سيناء ومدن القناة وجرى تجهيز 3 آلاف من الأطقم الطبية لخدمة مصابي غزة، حيث استقبلت مصر حتى الآن نحو 328 مصابًا فلسطينيا وخرج من المعبر نحو 3200 من جنسيات مختلفة وفلسطينيين.
-وشدد على أن مصر استقبلت 9 ملايين ضيف، وفي الظروف العادية أهلا وسهلا بالفلسطينيين، ولكن قبول مصر 2.5 مليون فلسطيني في هذا التوقيت يعني إنهاء وتصفية القضية الفلسطينية، وهو ما نفرضه تمامًا ولن نغير موقفنا، ومن حق الشعب الفلسطيني إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس.
-وأكد أن مصر تلتزم باتفاقية السلام ولكن ترفض التصرفات الإسرائيلية وما تشكله من تهديد غير مباشر للأمن القومي المصري، كما تدعم صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بأرضه، لافتًا إلى أن مصر اتخذت إجراءات بالتنسيق مع الدول العربية الشقيقة، خصوصا مع المملكة الأردنية لمواجهة التهجير، وتم تحويل الموقف المصري الرافض للتهجير إلى موقف عربي خلال قمة الرياض.
-نجاح الوساطة المصرية هو نجاح للإنسانية، فهي ببساطة أوقفت نزيف الدم في غزة لمدة تمكن الأطراف من التقاط الأنفاس، والبحث عن وقف دائم لإطلاق النار، يحافظ على الحياة ويعيد للعالم قليلا من إنسانيته التي فقدها بسقوط آلاف الشهداء دون محاسبة.
نقلا عن روزاليوسف