الكاتب الصحفي محمود بسيوني، رئيس تحرير جريدة أخبار اليوم
سبب حديث النائب هو ما تردد عن وجود منح وقروض وودائع قادمة لمصر دون أنّ يتحدث أحد عن أن تأمين مصر الاقتصادي هو حماية لأمن الجميع، وذلك الحديث ربما يطرح لأول مرة للنقاش بذلك الوضوح وهو امر يحسب للنائب بعدما تحول الوضع الى محل جدل ونقاش في الشهور السابقة مع تأثر الاقتصاد المصري بالأوضاع الاقتصادية العالمية وتحرك الحكومة لحلها عبر أدوات متعددة من بينها البحث عن منح وقروض وعرض شركات مملوكة للدولة للبيع.
ما أشار له النائب هو عين الحقيقة، لقد جرب العالم حالة الفوضى العارمة التي أعقبت أحداث ما أطلق عليه الربيع العربي، ورحبت بها الدول الغربية بل ودعمت وصول التنظيمات المتشددة للسلطة، حتى تحولت المنطقة الى ساحة حرب واسعة مكنت تنظيمات إرهابية من تأسيس دولة لأول مرة في التاريخ وكانت أوروبا اكبر المتضررين منها بعدما زادت وتيره الهجرة غير الشرعية هربا من حالة غياب الامن والامل في تحسن الأحوال المعيشية وبحثا عن فرصة حياة افضل في أوروبا.
أشعل الغرب النار في الشرق الأوسط وتهرب من دفع فاتورة الخراب الذى حل بالمنطقة ولاتزال آثاره باقية حتى اللحظة وبحسب تقارير دولية وعربية عديدة بلغت فاتورة فوضى 833.7 مليار دولار شاملة تكلفة إعادة البناء وخسائر الناتج المحلي والسياحة وتكلفة اللاجئين، وخسائر أسواق الأسهم والاستثمارات وهو رقم مفزع ومخيف لأنه ببساطة يتعدى الناتج القومي للدول العربية مجتمعة وتسبب في أحجام الاستثمارات الدولية عن الاستقرار في المنطقة فضلًا عن تجدد الصراع "الفلسطيني - الإسرائيلي" وتأثيره المباشر على الدول المحيطة به مثل مصر والأردن ولبنان وسوريا.
وكانت السبب المباشر في تأخر عمليات التنمية الضرورية وتوفير الخدمات للمواطنين، وخلفت نتائج كارثية على الاقتصاد الكلى العربي، وبينما تحاول الدول العربية وبينها مصر التعافي من آثاره المدمرة، وجدت نفسها في مواجهة تأثيرات أشد مع إغلاق جائحة كورونا والحرب "الروسية - الأوكرانية" ثم الصراع في غزة.
وفوق ذلك كله تكبدت المنطقة خسائر غالية في الأرواح في خضم الحرب على الإرهاب وصلت إلى 1.34 مليون قتيل وجريح بسبب الحروب والعمليات الإرهابية، وبلغ حجم الضرر في البنية التحتية ما يعادل 461 مليار دولار أمريكي، فضلاً عما لحق من أضرار وتدمير للمواقع الأثرية التي لا تقدر بثمن.
وبلغت الخسارة التراكمية الناجمة عن الناتج المحلي الإجمالي الذي كان بالإمكان تحقيقه 289 مليار دولار أمريكي، عند احتساب تقديرات نمو الناتج الإجمالي المحلي مقارنة بسعر صرف العملات المحلية.
التقارير الدولية أشارت إلى أنّ عدم استقرار المنطقة تسب في خسائر كبيرة، حيث تسببت العمليات الإرهابية في تراجع تدفق السياح بحدود 103.4 مليون سائح عما كان متوقعًا في سنوات الاضطراب التي تلت اندلاع الاحتجاجات، والتي تسببت أيضًا في تشريد أكثر من 14 مليون و389 ألف لاجئ، أما تكلفة اللاجئين فبلغت 48.7 مليار دولار.
وأوضح تقرير مفوضية الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية فى غرب آسيا "الاسكوا"، أنه فيما يتلق بمصر فإن أكثر الفئات تضررًا من ثورات الربيع العربي، هي الشباب، موضحاً أن في عام 2012، كان 91.1% من الشباب العاملين في مصر يشغلون وظائف غير رسمية.
وقال التقرير، إنّ اندلاع الاحتجاجات في ليبيا، وتطورت إلى قتال مسلح، تسببت في نزوح غالبية المصريين الذين كانوا يعملون هناك، مما تسبب فى تفاقم أزمة البطالة داخل مصر، مشيراً إلى أن إجراءات بعض الدول من بينها مصر إلى خفض عملتها أمام الدولار، سببه ارتفاع معدلات التضخم فى أعقاب تلك الاحداث.
زاد على الأزمة في ليبيا أزمة أخرى في السودان، وبذلك أصبحت مصر محاطة بالأزمات وتأثيراتها السلبية وتدفع وحدها الفاتورة وذلك قدر الكبار، لكن استمرار تلك الوتيرة من التأثيرات السلبية أكبر من القدرة على تحملها وهو ما يفرض على الشركاء الدوليين التعاون مع مصر من أجل عدم تفاقم أزمات المنطقة.
تحذيرات النائب المعارض هي جرس إفاقه للغافلين عن حجم وتأثير مصر وأنها صمام أمان منطقة الشرق الأوسط، ويكفى النظر إلى الجهد المصري لإقرار الهدنة في غزة، والدور الذى قام به معبر رفح من أجل استدامة المساعدات للقطاع وحجم الاتصالات الدبلوماسية من أجل التهدئة.
ووصلت مصر إلى نقطة الهدنة "الفلسطينية - الإسرائيلية" ومدها ليومين، بجهد مصري مع الشركاء الإقليميين والدوليين، وواصلت مصر جهودها المكثفة على مدار الساعة، لتوصيل المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة عبر منفذ رفح، منذ بدء دخولها يوم 21 أكتوبر الماضي.
وقد ساهم في إرسال هذه المساعدات، التي قدمت مصر نحو 70% منها، عشرات من الدول والمنظمات والهيئات الإنسانية والسياسية، بعدد 239 رحلة جوية وصلت مصر منذ هذا التاريخ.
وبلغ حجم المساعدات الطبية التي تم إدخالها إلى القطاع حتى مساء أمس الثلاثاء 28 نوفمبر، 2973 طنا، وبلغ حجم المساعدات من المواد الغذائية 11972 طنا، وحجم المياه 9111 طنا، فضلا عن 127 قطعة من الخيام والمشمعات، بالإضافة إلى 2611 طنا، من المواد الإغاثية الأخرى. وقد تم إدخال 1178 طنا من الوقود حتى مساء أمس الثلاثاء، وبلغ إجمالي عدد الشاحنات التي عبرت من معبر رفح إلى قطاع غزة 2670 شاحنة خلال هذه الفترة.
واستقبلت في نفس الفترة، 575 مصابًا من أبناء غزة لعلاجهم بالمستشفيات المصرية ومعهم نحو 320 مرافقا، إضافة إلى عبور 8691 شخصًا من الرعايا الأجانب ومزدوجي الجنسية، و1258 مصريا، من قطاع غزة، وتسهيل دخول 421 فلسطينيا عالقا بمصر إلى القطاع.
ذلك هو قدر مصر فهي صمام امان الشرق الأوسط والعالم، ودورها لا يمكن لاحد أنّ يقوم به، دور قديم له بعد حضاري وثقافي ومكون راسخ في أذهان العالم، من أجل ذلك يصبح التغافل عن أمنها الاقتصادي جريمة كبرى في حق الشرق الأوسط والعالم والتعاون معها هن السبيل الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار.
نقلا عن روزاليوسف