محمود بسيونى
تتسلح مصر في تلك المعركة المصيرية بشعبها وجيشها وقيادتها السياسية الحكيمة، التي تعاملت مع الأزمة بهدوء وصبر استراتيجي ساعد في تمكين مصر من تجميد مخططات التهجير مع تصعيد اللهجة الدبلوماسية وخروج التظاهرات إلى الشوارع تأييدا لقرار الرئيس عبدالفتاح السيسي، برفض التهجير ووقف تصفية القضية الفلسطينية وفق المخطط الإسرائيلي.
لا يخفى على أحد المأزق الإقليمي الذي صنعته الحرب في غزة، وتحديات الأمن القومي المتعاظمة بسبب الوضع المتأزم في السودان وليبيا، بالإضافة إلى التحدي الاقتصادي الصعب وتأثيره السلبي على عملية الإصلاح الجارية قبل سنوات.
الإحساس الجمعي بأثر التحديات المتعددة وتأثيرها على الدولة وصل إلى جموع المصريين، ودفعهم إلى التفكير في الاستحقاق الانتخابي بشكل مختلف وهو أن المشاركة في الانتخابات هو سلاح للدفاع عن البلد وعما تحقق من إنجاز، وهو دفاع مستحق عن الحاضر والمستقبل، في ظل صراع دولي حاد يحتاج إلى رؤية ثاقبة تنجو بمصر من فخ الاستقطاب، وأن تحتفظ مصر بحيادها ومصالحها المشتركة مع الجميع.
يتمتع الشعب المصري بذكاء فطري اكتسبه من التعامل المستمر مع الشدائد، والعمق الحضاري الممتد لجذور ذلك الشعب على تلك الأرض، وارتباطه العميق ببلاده وهو ما يمكنه من الفرز والتمييز بين ما يفيدها وما يضرها وهو أمر رأيناه حينما تحرك لإزالة حكم الإرهابية في ثورة 30 يونيو، ودعوته للقوات المسلحة من أجل النزول وحماية إرادته، ثم تحدي الظروف من أجل استكمال بناء الجمهورية الجديدة على أساس عقد اجتماعي جديد قوامه الدفاع عن مدنية الدولة ومنع التمييز بين المواطنين، وبناء أساس ديمقراطي سليم يسمح بالتنافسية وضمان التغيير المستمر.
وكانت البداية من دعوة الرئيس السيسي، للحوار الوطني ومشاركة جميع التيارات السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار في الحوار، واتباع نموذج التوافق لحل القضايا الخلافية، بالإضافة إلى تفعيل لجنة العفو الرئاسي، واتخاذ خطوات مهمة في الإفراج عن النشطاء السياسيين في استجابة مباشرة من الرئيس لمطالبات الأحزاب ومؤسسات حقوق الإنسان.
إشارات عديدة ظهرت تدلل على جدية مسار الإصلاح السياسي المصري وفق معادلة قائمة على توافر الإرادة السياسية والحركة النشطة من جانب الأحزاب السياسية، والاتفاق على مصلحة الدولة المصرية، وأن الإصلاح عملية مستدامة ومستمرة تقاس بالتقدم إلى الأمام، وهو ما نرى ترجمته في الواقع بوجود أربعة مرشحين يمثلون أحزابا، ولديهم برامج ويتنافسون بجدية على أصوات الناس.
ومن المهم الإشارة والربط بين بداية الانتخابات الرئاسية يوم 10 ديسمبر، وبين احتفال العالم بمرور 75 على صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذى نص على حق الإنسان في المشاركة السياسية، وعرفتها الأمم المتحدة بأنها إحدى القيم والمبادئ الأساسية العالمية للأمم المتحدة.
وتمّ إعلان الميثاق باسم شعوب الأمم المتحدة، ويؤكد أن إرادة الشعوب هي أساس سلطة الحكومة، ويُعتَبَر احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية ومبدأ عقد انتخابات دورية وحقيقية بالاقتراع العام من العناصر الأساسية للديمقراطية.
وتعتبر أدبيات الأمم المتحدة، أن المشاركة السياسية والعامة أساسيّة لتعزيز الحكم الديمقراطي وسيادة القانون والإدماج الاجتماعي والتنمية الاقتصادية، وللنهوض بكامل حقوق الإنسان.
ويمثل حق المشاركة في الحياة السياسية والعامة عنصرًا مهمًا لتمكين الأفراد والجماعات، وهو أساسي للقضاء على التهميش والتمييز، كما لا تنفصل حقوق المشاركة عن حقوق الإنسان الأخرى مثل الحق في التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، والحق في حرية الرأي والتعبير والحق في التعليم والحق في الحصول على المعلومات.
التجارب الدولية تقول إن التطور الديمقراطي لا يتم بمعزل عن مشاركة الناس واستخدامهم لحقهم في الاختيار وهي عملية تراكمية تقوم على الاختيار وسط متنافسين وإدارة العملية بنزاهة وشفافية مع توفر أدوات المتابعة المختلفة لسلامة العملية الانتخابية.
المشاركة المستمرة والإيجابية هي ما تضمن تطور تلك العملية وتحقق المرجو من التجربة الديمقراطية، وهي ما يبنى التراكم المطلوب لتوطين فكرة الديمقراطية بشكل مؤسسي ويمنح الحياة السياسية الزخم لمواصلة فكرة التنافسية بين الأحزاب وهو مكسب بكل المقاييس للحياة السياسية المصرية، بالإضافة إلى تنسيقية شباب الأحزاب كمدرسة فعالة للكادر السياسي، وهي تجربة سياسية رائدة أثبتت فعاليتها بقوة بعد تمكين نوابها من ممارسة العمل البرلماني والتنفيذي كنواب للمحافظين.
وعلى الرغم من وجود مؤشرات إيجابية عديدة، إلا أن التخوف يظل قائما في ظل وجود إحساس الاطمئنان إلى النتيجة وهو ما قد يفتح الباب للتكاسل، وهو أمر مرفوض وضار جدا للتجربة، فلا يوجد في الانتخابات التنافسية حسم مسبق ويظل الصندوق هو عنوان إرادة الناس في التجارب الديمقراطية ولذلك فإن تكاسل المطمئن خطر شديد يجب التحذير من عواقبه، ولذلك يجب أن تستمر الدعوة بشكل مكثف ودائم طوال أيام التصويت الثلاثة للمشاركة الإيجابية في اختيار من يستحق المنصب الرفيع.
القدرة على مواجهة التحديات المحيطة بالدولة المصرية، مرتبطة بكل صوت يتوجه إلى الانتخابات، استكمال ما تحقق من إنجازات في مجالات عديدة يتطلب الوقوف في طابور اللجنة الانتخابية، مواجهة مخططات الهدم والإقصاء تحتاج إلى تقوية الدولة المصرية ومؤسساتها بحشود المصريين أمام مراكز الاقتراع، ولنا في انتخابات الخارج أسوة حسنة، فقد كان المشهد مشرف ويحمل دلالات واضحة على ارتباط المصريين في الخارج بوطنهم الأم، وأنهم حريصين إلى نقل ذلك الحب إلى الأجيال الجديدة التي ربما لم تر الوطن.
العالم ينتظر سماع صوت المصريين في الانتخابات، وتوقعي الشخصي أن الرهان على وعي المصريين هو الرهان الصائب، وأن مشاهد حب المصريين لوطنهم رغم الظروف والتحديات قادر على إبهار الدنيا.