الكاتب الصحفي محمود بسيوني، رئيس تحرير جريدة أخبار اليوم
أحداث 2011 سبب تراجع مفهوم الدولة الوطنية وفتك الأزمات بالدول العربية
إذا نظرنا بعمق في خريطة الشرق الأوسط اليوم سنجد أنها أصبحت محاطة بالتنظيمات شبة العسكرية أو المليشيات الناشئة عن الصراعات الداخلية الطاحنة في غالبية الدول العربية نتيجة التدخلات الغربية، وازدادت قوة وشراسة بدخول أطراف إقليمية واستخدامها في الحروب بالوكالة، واستفادت من إضعاف فكرة الدولة الوطنية مع تنامى الإحساس بالظلم والقهر المصاحبة للتدخلات الغربية العنيفة خاصة في الصراع العربي- الإسرائيلي وانحياز القوى الغربية لمصلحة دولة الاحتلال، بالإضافة لاستفادتها من لجوء الغرب للتعامل مع تلك المليشيات بعيدا عن الحكومات الشرعية الموجودة في تلك الدول.
كان ظهور داعش ومليشيات الحشد الشعبي نتيجة انهيار الدولة العراقية وتفكيك الجيش العراقي في أعقاب الاحتلال الامريكى ثم الانسحاب من العراق، وسيطرت طالبان على أفغانستان بعد أكثر من 20 عاما من الاحتلال الامريكى، وسيطرت حماس على قطاع غزة نتيجة إضعاف السلطة الفلسطينية، وفي ليبيا ظهرت المليشيات فور سقوط نظام القذافي، واشتد الصراع بين الجيش السوداني وقوات التدخل السريع حينما ضعف كيان الدولة نتيجة التظاهرات المستمرة وغياب الدولة ثم أصبحت مليشيا الحوثي في اليمن أكثر قوة في ظل غياب الدولة اليمنية.
قطعا المليشيات كانت موجودة قبل انهيار الدول العربية عقب اشتعال أحداث 2011 أو ما سمى في مراكز الأبحاث الغربية بالربيع العربي، في لبنان والعراق تحديدا، لكنها ازدادت شراسة وقوة نتيجة انهيار الدولة الوطنية وتفكيك الجيوش بدعم غربى لا تخطئه العين.
تمكنت مصر من النجاة بفضل شعبها وقواتها المسلحة ونجاح ثورة 30 يونيو في صنع مسار مختلف، وعقب ذلك وضعت مصر مسألة مساعدة أشقائها في الحفاظ على كيان ومؤسسات الدولة وحمايتها من الانهيار وكذلك المحافظة على الجيوش الوطنية ضمن أولويات سياستها الخارجية دون تدخل مباشر في الشئون الداخلية لتلك الدول.
كانت مصر ترى وفق تجربتها أن انهيار مؤسسات الدولة وتفكك الجيوش الوطنية خطر كبير على حالة الأمن والسلم في المنطقة العربية وأنها مسئولة عن حالة الانفلات وغياب دولة القانون ومن ثم تراجع الحريات وحقوق الانسان وتأخر التنمية وزيادة موجات الهجرة غير الشرعية.
وحذر الرئيس عبد الفتاح السيسي كثيرا من خطر انهيار وتفكك مؤسسات الدولة وأنها سبب في موجات الإرهاب المصدرة إلى دول المنطقة وسيكون لها تبعات خطيرة على الغرب تحديدا، وهو ما نراه اليوم في حالة تهديد الملاحة الدولية بقناة السويس بسبب هجمات مليشيات الحوثي اليمنية على السفن العابرة لباب المندب وتأثيره الخطير والعميق على التجارة الدولية واقتصادات دول المنطقة وتأثيره شديد الخطورة على الاقتصاد العربى المنهك بالأساس نتيجة تحديات غير متوقعة وغير مسبوقة وضعت الحكومات العربية في مأزق شديد اختفت فيه الحلول.
الشعوب تحركها عواطفها بالتأكيد، وفي القضية الفلسطينية كان الترحيب الشعبى حاضرا بما قامت به حماس ومليشيا الحوثى ضد إسرائيل، ولم يفكر أحد في التوابع، حتى جاءت لحظة الحقيقة، فقد استغلت إسرائيل هجمات المقاومة الفلسطينية لتنفيذ مخطط التهجير إلى سيناء، والضغط على الدولة المصرية بكل الطرق لتحقيق ذلك، ومع الأسف ظهرت أصوات تزايد على الموقف المصرى الرافض للتهجير لأنه ببساطة تصفية لما تبقى من القضية الفلسطينية، ثم تعرضت مناطق عدة في اليمن لغارات أمريكية بريطانية نتج عنها ضحايا ومصابين ردا على هجمات الحوثيين على السفن الأمريكية ثم بدأت الحكومة الأمريكية تتخذ خطوات من أجل إعادة مليشيات الحوثى لقوائم الإرهاب مرة أخرى وهو القرار الذى كان الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب قد اتخذه ثم تراجع عنه الرئيس جو بايدن في أول رئاسته وهو يعود اليوم لنفس القرار.
وفى السودان وليبيا يدفع المدنيون فاتورة حرب المليشيات، فالمليشيات تتحرك للسيطرة على السلطة وتحقيق أهداف من يدعمها إقليميا وليس لديها أي وازع يمنعها من التوقف من أجل حماية أرواح الناس أو المحافظة على مقدرات الدولة، المليشيات تصدر الأزمات للمنطقة ولا أحد لديه سلطة عليها لا الدولة ولا القانون فهي بالتأكيد لا تخضع سوى لأفكارها الأيدولوجية، وهي بالأساس دينية متشددة فضلا عن دورها كأداة من أدوات اللعب في المنطقة لحساب صراع القوى الإقليمية وهنا لا يغيب عنا حسابات دولة مثل إيران في صراعها مع إسرائيل.
بحسب التعريفات العلمية، فالمليشيات هي جماعات مسلحة لا تلتزم بالقانون، وهي مصدر توتر وقلق لا مجتمع كما لا يستقيم وجودها مع وجود مؤسسات الدولة ولا يمكن أن تحل محلها، وجودها يحمل في طياته بذور التدخل الأجنبي وتدهور مفهوم السيادة الوطنية وتكلفه وجودها فادحة على أي مكان تتواجد فيه، وقد أثبتت التجربة أنها لا تكترث لحياة الناس أو لوجود الوطن ذاته والتجربة الأخيرة أثبتت أنه رغم شعبية ما تقوم به من أعمال مقاومة أو صد للعدوان، إلا أن تكلفتها الإنسانية والاقتصادية فادحة وتأثيرها الفادح ممتد لسنوات وسنوات على مواطنيها وجيرانها على حد سواء.
إن الأوضاع في المنطقة العربية تنذر بالخطر بسبب تمدد تلك المليشيات حتى باتت خطرا يهدد غالبية دول المنطقة، ولم يعد من المحتمل أن يستمر تراجع مفهوم الدولة الوطنية في ظل تسلل مفاهيم الفوضى وقبول منطق المليشيات، بل أصبح العمل على استعاده فكرة الدولة ودعمها فريضة على كل من يبحث عن التنمية والاستقرار في دولنا العربية.