البث المباشر الراديو 9090
الدكتور شحاتة غريب
مضى أكثر من مائتين يوم على ما يسمى بطوفان الأقصى، الذي قامت به حركة حماس ضد الكيان الصهيوني، وقد ترتب عليه رد فعل عنيف من قبل الجيش الإسرائيلي، قد وصل إلى درجة ارتكاب جرائم الحرب ضد الفلسطينيين، وتنفيذ خطة محكمة تهدف إلى تحقيق سياسة الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني في غزة، واجباره على التهجير، بما يخدم الرؤية الإسرائيلية بشأن تصفية القضية الفلسطينية!

وهذا هو ما أدى إلى عرض بعض المراقبين والمحللين لبعض التساؤلات حول تصرف حماس، وهل قد قامت بدراسة الأمر جيدا؟! وهل قراءتها للملف واتخاذها هذه الخطوة في السابع من أكتوبر الماضي قد كان مدروسا بعناية، ووضعت له كل الاستعدادات لمواجهة أي سيناريو محتمل من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي؟! وقد وصل الأمر لدرجة اتجاه البعض إلى القول بأن الأمر كله قد كان مرتبًا ومنسقًا بين حركة حماس والجيش الإسرائيلي!

وفي ظل كل ذلك، وما حدث من كوارث بحق الشعب الفلسطيني، لم تصمت مصر، بل أخذت القيادة السياسية على عاتقها حتمية التدخل من أجل إنقاذ القضية الفلسطينية ومحاولات تصفيتها، وقامت الخارجية المصرية بجولات متعددة اقليميا ودوليا بناء على توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي، لتنفيذ رؤية مصر بشأن القضية الفلسطينية، وأن كل ما يحاك ضد هذه القضية من مؤامرات يعد مرفوضا شكلًا ومضمونًا، وأن مصر لن تسمح بتهجير الفلسطينيين قسرًا من أراضيهم، وأن حقهم في إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية يعتبر قضية أمن قومي بالنسبة لمصر، ولا يُمكن إطلاقًا السماح بالمساس بهذا الأمر!

وقد ظلت الجهود المصرية مُستمرة من أجل إقناع المُجتمع الدولي بكارثة ما يرتكبه جيش الاحتلال الإسرائيلي من مجازر ضد الشعب الفلسطيني، وأن القيم الإنسانية يجب أن تسمو على أي شكل من أشكال التفرقة العنصرية، ومن ثم يجب أن ينتصر المجتمع الدولي للقضية الفلسطينية باعتبارها قضية إنسانية، وقضية شعب تعرض للمذابح، والقتل، وتعرضت أرضه للخراب والتدمير، ولم يبق من صور الإنسانية في قطاع غزة أي صورة قد تذكر، بل قد تم القضاء على كل شيء، وقد حل الدمار محل التراث الثقافي، وتم القضاء على البنية التحتية، وقد أصبح من العسير إعادة إعمار غزة إذا توقفت الحرب قبل أعوام كثيرة قد تتجاوز العشرين عامًا!

ولا ريب أن الجهود المصرية قد لاقت قبولًا من مُعظم دول العالم، وقد أصبحت مصر مرجعًا لأي دولة تريد التدخل لإقناع الطرفين بوقف إطلاق النار في غزة، وضرورة السماح بدخول المُساعدات الإنسانية وعدم عرقلة أي جهود تهدف إلى حماية المدنيين، وقد استطاعت مصر بالتعاون مع بعض الدول الأخرى أن تنجح في الحصول على موافقة الطرفين بهدف الدخول في مفاوضات تتعلق بتبادل الأسرى، وأهمية الوقف الفوري لإطلاق النار حفاظًا على حياة الفلسطينيين.

وما زاد الأمر خطورة، وضرورة أن تُكثف مصر من جهودها المُستمرة من أجل عدم تصفية القضية الفلسطينية، هو ما أعلنته الإدارة الصهيونية بشأن غزو رفح، والقضاء على حركة حماس، ولذلك سعت القيادة السياسية المصرية إلى الدعوة إلى منع هذه الكارثة، والتي يمكن أن تقضي على حياة ما يقرب من مليون ونصف مواطن فلسطيني، بالإضافة إلى أن غزو رفح يعني عرقلة كل أشكال المساعدات الإنسانية المُتجهة إلى قطاع غزة، وتفشي الأمراض والأوبئة، وقد يصل الأمر إلى تهجير الفلسطينيين قسرًا نحو سيناء، وهو ما يشكل مساسًا خطيرًا بالأمن القومي المصري، ولا يمكن قبوله بأي حال من الأحوال!

وقد استطاعت مصر أن تُقنع الإدارة الأمريكية وغيرها من الدول بالضغط على إسرائيل، لمنعها من الإقدام على غزو رفح، وأن هذا الأمر إذا حدث، قد يأخذ المنطقة برمتها إلى منعطف خطير، وإلى حرب إقليمية كارثية، قد تُهدد السلم والأمن الدوليين، وليس تهديد استقرار المنطقة فقط!

ورغم كل هذه الجهود المبذولة على أرض الواقع من أجل تحقيق الهدنة، ووقف إطلاق النار في غزة، والاتفاق على تبادل الأسرى، وكادت الهدنة أن تتحقق، ولكن وجدنا في مفاجأة غير متوقعة، قيام حركة حماس بقصف معبر كرم أبو سالم، والذي راح ضحيته عدد من القتلى والمصابين من جيش الكيان الصهيوني، وهنا تعثرت المفاوضات حول تحقيق الهدنة، وبدأ المتطرفون في إسرائيل يشعلون النيران في كل مكان، لإلغاء التفاوض مع حماس، ومنع تحقيق الهدنة، وقد زاد المؤيدون لنتنياهو وحكومته المتطرفة، لحثهم على استكمال مسيرة الإعداد لغزو رفح بأقصى سرعة، وعدم تأجيل هذا الغزو لأي سبب من الأسباب!

وإزاء كل ذلك، بدأ المُراقبون والمحللون يتساءلون لماذا فعلت حماس ذلك؟! وقد وصل الأمر عند البعض إلى اتهام حماس بالغباء السياسي، وأنها لم تتمكن من قراءة الأحداث قراءة جيدة، وأنها قد أعطت للكيان الصهيوني الفرصة الذهبية لكسب المزيد من التأييد لقيامه بعملية غزو رفح، وأن مسألة القضاء على حماس قد أصبحت مسألة حياة أو موت بالنسبة له!

كما تساءل البعض الآخر ماذا تريد حماس من كل ذلك؟! وماذا في ذهنها؟! هل في ذهنها ما لا نعلمه، وقد يحقق الانتصار للقضية الفلسطينية؟! وهل ما فعلته حماس منذ السابع من أكتوبر الماضي حتى الآن قد حقق انتصارا للقضية؟! وهل قد منع قتل الآلاف من الفلسطينيين، وحمايتهم من التشريد، والتهديد بالتهجير القسري؟! أم أن الأمر قد كان يحتاج إلى بعض التروي للعمل على إنجاح مفاوضات الهدنة من أجل حماية الشعب الفلسطيني من كارثة اجتياح رفح؟!

وفي حقيقة الأمر، إذا كانت بعض الصحف الإسرائيلية قد أكدت خلال الأيام الماضية، بأن حماس لم يعد لديها سوى القليل من الصواريخ، وأنها قد فقدت كثيرًا من قدراتها العسكرية، فهل يعني ذلك قيام حماس بعملية قصف معبر كرم أبو سالم للتأكيد على أنها ما زالت تتمتع بقدرات عسكرية كبيرة، واثبات أن تحليل الصحف الإسرائيلية لا يمت للصواب بأي صلة؟! وهل ما فعلته حماس يمثل رسالة إلى إسرائيل وأعوانها أن عملية غزو رفح لن تنجح، وستكون المقبرة لجنود الاحتلال الإسرائيلي؟!

أعتقد أن حماس لم يحالفها التوفيق في القيام بعملية قصف معبر كرم أبو سالم في هذا التوقيت، وكان يتعين عليها الهدوء قليلا حتى تتحقق الهدنة، ونعطي لمصر والدول الأخرى الفرصة لتحقيق النجاح في المفاوضات، منعا لحدوث كارثة غزو رفح، ولا يعني ذلك أن إسرائيل وجيشها يتعاملون بمصداقية وانسانية مع القضية الفلسطينية، وما يدور حولها من مفاوضات، ومحاولات مصرية ودولية، لوقف الاعتداءات على الشعب الفلسطيني، ولكن ما أعنيه هو عدم ضياع فرص الهدنة، وعدم إعطاء الفرصة للإدارة الصهيونية لتنفيذ مخططها، ليس فقط بشأن غزو رفح، ولكن بشأن تصفية القضية الفلسطينية برمتها!

أ. د/ شحاتة غريب

أستاذ القانون ونائب رئيس جامعة أسيوط السابق

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز