أحمد عبد الحافظ
هذه الصدمة ليست حقيقية، فقبل أن تستقر الأوضاع كان الجميع يتمنى هذا الاستقرار والرعب يملأ القلوب من القفزات المرتفعة في الأسعار والتي كانت تزيد يوميا، بنسب غير منطقية، فالزيادات التي كانت تحدث لسلعة واحدة على مدار عام كانت تتحقق في يوم واحد فقط، وبعض السلع قفزات أسعارها تجاوزت الـ100% في أقل من عام.
ورغم السيطرة على الموقف واستقراره النسبي، يعلن البعض عن دهشته من الانخفاض المفاجئ في الأسعار وعودة الأسعار للمعدلات الطبيعية، وكأن هذا الاستقرار عدوّ له، وبالفعل هؤلاء المندهشون هم من كانوا يتقاتلون على قوت الشعب المصري ودخله.
هؤلاء هم "المضاربون"، فمع اتساع الأزمات زادت ثقافة المضاربة على جميع السلع والخدمات بأنواعها، هؤلاء الجشعين يضاربون على أي سلعة تطالها أيديهم، فلم يتوقف الأمر عند حدود المضاربة على الدولار والذهب والسندات والبورصة، بل وصل الأمر إلى المضاربة على السلع الغذائية.
الأزمة العنيفة التى مرت خلال 2023 كانت كاشفة عن التشوه العميق فى ثقافة الاستثمار في مصر لدرجة مفجعة، لأن ما وصل الحال له يتجاوز كونه أزمة أخلاقية، فكل من يمتلك سيولة من المال ولو بسيطة لا ينظر إلى الاستثمار إلا من باب المضاربة، فأصبحت هناك شريحة كبيرة من المجتمع لديها قناعات ضد مصلحة المواطن وتتمنى أن تظل الأزمات مستمرة ليستمر مناخ المضاربات وحصولهم على فرص أكبر لتحقيق أرباح أعلى من العادلة ولو على حساب المجتمع والدولة.
وهنا يجب أن نوضح.. الفارق الكبير بين البحث عن المضاربات والبحث عن ملاذ آمن في أوقات الأزمات مثل الذهب الذي يعتبر مخزن قيمة متعارف عليه في جميع الاقتصادات على مستوى العالم، فمن يبحث عن مخزن قيمة يسعى للحصول على سلعة أو خدمة تحفظ قيمة السيولة التي يمتلكها وتدعم قوته الشرائية في المستقبل، أما من يبحث عن المضاربة فهو يقوم بعمليات شراء وبيع سريعة ومتتالية بهدف تحقيق طلب وهمي على سلعة فترتفع أسعارها، ومع كل مرة شراء وبيع يحقق معدلات مكاسب مرتفعة للغاية تعوق أصحاب السيولة الأقل من الحفاظ على قيمة ما يدخرونه بعناء وكد.
المضاربون الصغار أخطر من الكبار لأنهم أكثر انتشارا، وهم أحد العوامل الأساسية الذي يعيق استفادة المواطن من خفض الأسعار، والسعي بشتى الطرق لعرقلة مبادرات الحكومة والاتحادات التجارية والصناعية من خفض السلع، فجهود المضاربين الصغار متفاوتة التأثير بين محافظة وأخرى، وداخل المحافظة الواحدة تتفاوت هذه التأثيرات من منطقة لأخرى، وهو ما يمكن رصده من خلال التفاوت في أسعار الغذاء داخل المحافظة الواحدة بين حي وآخر، مثل أسعار البيض والدواجن واللحوم.
لذلك مبادرة مثل تطبيق "رادار الأسعار" قد تكون حلقة وصل بين المصنعين والمنتجين ومقدمي الخدمات من جهة وبين الجهات الحكومية والمواطن من جهة أخرى، لأن ضبط السوق والأسعار هو أمن قومي يستدعى تكاتف المواطن المستفيد من خفض الأسعار والحكومة بتحقيق رضا المواطن والمصنعين والمنتجين بالوصل إلى سوق يضمن المنافسة النزيهة بعيدا عن المضاربات.