البث المباشر الراديو 9090
أحمد عبد الحافظ
مع بداية التصويت فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية، نشرت صحيفة الفايننشال تايمز تحليلا فى أول يوم لبدء التصويت يقول إن "ترامب" يراهن على أصوات العمالية البيضاء فى الضواحى والمناطق الريفية، وفى المقابل يسعى "بايدن" لإثارة حماس الأقليات فى المدن. 

يذكرنى هذا التحليل بشبيه له صدر عن صحف أوروبية أثناء الانتخابات الأخيرة فى تركيا والتى مددت ولاية جديدة لـ "أردوغان" وأوضح أنه ملفوظ تماما فى المدن الكبيرة مثل أنقرة واسطنبول وباقى المدن الكبرى ذات الطابع التجارى والتى لم يكد يحصل فيها على أصوات إطلاقاً، وأن رهانه كان على سكان المناطق الريفية والكتل التصويتية المفتتة فى القرى البعيدة على المناطق الحدودية ضعيفة الخدمات وهشة الاقتصاد والتى تحكمها الروابط العائلية أكثر ما يحكمها القانون. 

ونفس هذه الرهانات شهدناها فى مصر مع انتخابات 2013 التى صعد معها محمد مرسى لرئاسة الجمهورية كواجهة للجماعة المتطرفة التى كانت تدير مرسى من مكتب الإرشاد، وهى الانتخابات التى كانت تسعى فيها الجماعة إلى حشد أصوات القرى والنجوع والمناطق المهمشة والقرى الفقيرة، مستخدمة أزرعها التى أسستها على مدار عقود تحت مسمى جمعيات خيرية، فى المقابل كانت أصوات المدن وعواصم المحافظات بالأخص والمدن الساحلية ذات الطابع التجاري، هى الأقل تصويتا لمرسى وجماعة الإرهابية. 

نفس هذا الصراع أظنه ينسحب على الصراع العالمى المستمر منذ بداية القرن حول ما يطلق عليه دول محور الشر فى العالم وتحالف دول أوروبا وأمريكا الشمالية، والتى يتم وصفها من حكومات الغرب بأنها الدول الرجعية التى لا تعتمد على الديمقراطية فى إدارة الحكم، وأنها أنظمة شمولية وديكتاتورية وقمعية ولا تتمتع بتداول سلمى للسلطة، وإلى غير ذلك من الأوصاف التى تستخدم فى الهجوم على دول هذا المحور. 

وأذكر أن الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل منذ بدأ الانتظام فى الظهور على شاشات الفضائيات المصرية والعربية مطلع 2007، كان دائماً ما يثير كل فترة قضية ترييف المجتمع المصرى، والصراع الثقافى والاجتماعى المستمر بين طبقات المجتمع منذ ستينيات القرن الماضي، وهو الصراع الذى يسعى من خلاله بعض أبناء الريف اللذين ينتقلون إلى الحياة فى المدينة لفرض قيم الريف على مجتمعهم الجديد، وخوض صراعات ثقافية واقتصادية ودينية من أجل هذه المعركة(منهم الجماعة الارهابية فى معرض سيطرتها على المجتمع). 

من ناحية عمرانية القرى دائما ما يتم اتخاذ القرارات بها بشكل عشوائي، فعلى المستوى العمرانى يختلف شكل المدينة تماما عن القرية، بداية من مواد البناء واتساع الطرق والأرصفة المخصصة للمشاة وتنظيم الحركة فى الشوارع الداخلية لاستقبال حركة كثيفة للسيارات والمشاة يوميا، وضرورة تأسيس تقاطعات متعددة فى كل كم مربع فى المدينة لسهولة الانتقال بين أحياء المدينة، مستوى المرافق والخدمات، على العكس تماما التقاطعات داخل القرية قليلة جدا وعرض الشوارع ليس بالضرورة يتسع لاستقبال حركة سيارات وبالتى فإن النمو فى القرية هو قرار شبه عشوائي، ففى أقرب منطقة يتجمع الباعة فى سوق أسبوعى دون أى تنظيم لهذا السوق فقط يقوم الباعة بالجلوس فى خطوط عشوائية دون تنظيم، على عكس المدينة التى يتطلب فيها الأمر دراسة موقع هذا السوق ليخدم أكبر قدر من سكانها ويكون السوق من الداخل مخطط لتسهيل حركة السكان داخله والوصول لكافة الباعة بسهولة . 

وعلى المستوى الثقافى فمن المعروف أن المدينة هى المرادف للمدنية والحداثة والتحضر وهى مراكز التنمية التى تقود الاقتصاد وحركة المال وتخلق وظائف غير تقليدية بناء على حجم التطور والحداثة التى تتبناه اجتماعيا وثقافيا وسياسيا، على سبيل المثال لولا التطور الثقافى للمدينة ما كنا سنشاهد صناعة الترفيه التى أصبحت توفر فرص عمل لمئات الآلاف من سكانها سنويا، على العكس تماما تعتبر القرى والمناطق الريفية مرادف للقوى المحافظة ثقافيا وسياسيا واقتصاديا من خلال فرص عمل تقليدية ونشاط سياسى وترقى اجتماعى محكوم بثقافة العائلات وسطوتها وليس بمنح الفرد فرصة عادلة للترقى الاجتماعى بناء على مهاراته واجتهاده الشخصى. 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز