البث المباشر الراديو 9090
أحمد عبد الحافظ
فى نهاية 2015 أعلنت الحكومة عن مشروع دار مصر باعتباره أول مشروع إسكانى "كمبوند" للطبقة المتوسطة، وكان المختلف فى هذا المشروع أنه علامة مميزة لدعم الحكومة للطبقة المتوسطة فى قطاع الإسكان، وتقديمها مستوى مختلف من السكن لهذه الطبقة.

المشروع استهدف تنفيذ 125 ألف وحدة فى أغلب المدن الجديدة، بعد الإقبال الكبير من الطبقة المتوسطة على وحدات المرحلة الأولى، والتى كانت تضم 25 ألف وحدة سكنية، وتلاها طرح المرحلة الثانية بحوالى 30 ألف وحدة أخرى، وكان الفارق بين الطرحين أقل من عام.

الإقبال كان كبيرًا بشكل مفاجئ للجميع تحديدا فى هذا التوقيت على وحدات سكنية مطروحة من الحكومة فى ظل إحجام المواطنين عن الشراء من القطاع الخاص، خصوصا وأن عام 2015 كان بداية الهدوء والاستقرار الأمنى فى الشارع بعد إصدار الدستور الجديد وإجراء الانتخابات الرئاسية الأولى بعد التخلص من سيطرة الجماعة الإرهابية.

وكانت هذه مفاجأة للقطاع الخاص أيضا ومؤشرا مهما على أنه رغم الظروف الاقتصادية وبداية الاستقرار الأمنى إلا أن المواطن لا يزال قادرا على الشراء والبحث عن سكن لائق، ولكن فى هذه المرحلة كان الإقبال سببه أن الطبقة المتوسطة تسعى دائما للحصول على سكن أفضل من حيث مقومات الحياة أو من حيث فرصه الاستثمارية فى المستقبل، وكان المشروع قائم على تقديم عوامل تنافسية قوية منها أنه أول كمبوند سكنى عمارات فقط به جميع الخدمات تقريبا وبسعر تنافسى نظرا لأن الأرض ملك الدولة ممثلة فى هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.

على العكس تماما كان هناك أزمة ثقة كبيرة مع القطاع الخاص بسبب مشكلات بعض المقاولين والمطورين العقاريين حديثى الخبرة فى السوق العقارى الذين أخفقوا فى مشروعاتهم ولم يستطيعوا الالتزام بالمواعيد أو بالمواصفات والشروط التى بناء عليها تم تسويق المشروع.

ورغم أن مشروعات الدولة بها مشكلات وعيوب، وأحيانا عدم التزام بمواعيد التسليم، إلا أن المواطن أكثر ثقة فى مشروعات الدولة من القطاع الخاص، كما أن المطورين العقاريين ينفذون وحداتهم مستهدفين الطبقة الأعلى دخلا فى المجتمع، والتى لديها فوائض سنوية تسمح لها بالاستثمار العقارى طويل الأمد، وهى فئة مضمونة بالنسبة للمطورين وقليلا ما يتعثرون فى السداد، هذه الميزة تنسحب أيضا على الطبقة المتوسطة، ولكن المطورين لا يقبلون على البناء لها بمثل المواصفات التى نفذتها الدولة فى مشروع دار مصر، لأن نفس هذه المواصفات يسوقها القطاع الخاص على أنها إسكان فاخر وليس متوسط، وهو التحدى الكبير الذى لا تزال تحمله الحكومة ممثلة فى أجهزة المدن الجديدة وشركات التعمير.

جميع المطورين العقاريين كانوا ولا يزالون يراهنون على أن الدولة وأجهزتها ستفشل فى إدارة مرافق وخدمات أى مجمع سكنى فى مرحلة ما بعد التسليم والتشغيل، لأن القطاع الخاص ينظر إلى نفسه على أنه أكثر مرونة وسرعة فى إدارة المرافق والخدمات داخل المجمعات السكنية التى ينفذها، ورغم ذلك يعانى من مشكلات مع الملاك، فهل الحكومة بكل ما بها من بيروقراطية وروتين وبطء فى اتخاذ القرار ستكون قادرة على أن تنجح وتتفوق على القطاع الخاص فى إدارة وصيانة "دار مصر"؟

الإجابة على هذا السؤال بالفشل هو ما ينتظره القطاع الخاص ليثبت أنه أقوى من الحكومة فى إدارة مشروعاته، وسيعتبر هذا الفشل سببا كافيا لعدم إقبال الدولة على البناء مرة أخرى للطبقة المتوسطة، ويظل السوق فى حالة عجز تجعل المواطنين أسرى لدى المطورين العقاريين.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز