الدكتور شحاتة غريب
ولا أبالغ إذا قلت، إن بعض المواطنين قد فكروا في الرحيل عن مصر؛ بحثًا عن الأمن، والأمان، والاستقرار؛ وبحثا عن مستقبل أفضل لأبنائهم، بعد أن سيطرت غيوم الظلام، والرجعية على سماء القاهرة!
وعندما أؤكد أن عناصر الدولة الثلاثة كادت أن تضيع، فليس ذلك ضربًا من ضروب الخيال، لكنها للأسف، الحقيقة المُرة التي عاشها ملايين المصريين، ويمكن التدليل على ذلك على النحو التالي:
أولًا: لقد شعر المصريون أن الشعب المصري الحقيقي قد اختفى، وليس هو ذلك الشعب الذي يرتدي جلبابًا غريبًا عن القيم والعادات والتقاليد المصرية الحضارية الأصيلة. وقد ظهر المشهد وكأننا نعيش وسط حركة طالبان، أو غيرها من الحركات التي أخذت من التشدد منهجا لها في تعاملها مع المواطنين.
وقد أصبح الشكل فاقدا للمضمون المعبر عن المحبة، والمودة، والأصالة التي يتحلى بها الشعب المصري العظيم صاحب التاريخ وصاحب الحضارة، كما أن المضمون قد أصبح فاقدًا لكل شكل جمالي، يعبر عن مظاهر البهجة والسعادة التي يحاول دائمًا معظم أبناء الشعب المصري أن يرسموها على جدران البيوت، والمنازل كأجمل نقش فرعوني، لم يعرف سره علماء المصريات حتى الآن!
ثانيًا: لقد كاد أن يتفكك الإقليم المصري المتماسك، وقد أصبح مهددًا بالانقسام، وقد أصبح الخوف من تحول الدولة إلى دويلات هو حديث الصباح والمساء. كما أن الدين قد صار ستارًا لخداع عامة الشعب، بحجة البحث عن عودة الخلافة حتى لو على جزء من الإقليم بغض النظر عن بقية هذا الإقليم، وكيف يكون مصيره؟!
ثالثًا: لم تعد السلطة في يد الدولة، وقد أصبحت كل سلطات الدولة مهددة بالزوال، فكيف تكون هناك سلطة تنفيذية تدير شؤون البلاد، وهناك ميليشيات تتباهى الجماعة الإرهابية بتكوينها وتدريبها واستخدامها إذا لزم الأمر؟!
ولعلنا لا ننسى بعض الأشخاص الذين غُرِّر بهم، وكان تدريبهم يتم في مراكز الشباب، وبعض الأماكن الأخرى السرية؛ لاستغلالهم ضد استقرار الدولة عند اللزوم، كما لا يمكن أن ننسى عمليات السحل، والضرب المبرح التي نفذها هؤلاء الأشخاص ضد أي مواطن مصري غير مؤمن بعقيدة هذه الجماعة!
وكيف تكون هناك سلطة تشريعية، وقد استولى أعضاء الجماعة الإرهابية على البرلمان بغرفتيه؛ ليتم سن القوانين التي تيسر الهيمنة على كل شيء؟! ولعلنا نتذكر أيضًا، الإعلان الدستوري الذي حصن كل القرارات من رقابة القضاء، وكأننا نعيش في دولة لا يوجد بها سلطة قضائية ومحاكم يلجأ إليها المواطنون بحثًا عن حقوقهم.
ولا يمكننا أن ننسى أبدًا، حصار المحكمة الدستورية العليا، والتحريض المستمر على التظاهر تحت مسمى جمعة تطهير القضاء على حد تعبير الجماعة الإرهابية ومن يساندها!
لقد كادت حقا أن تضيع الدولة المصرية، وأن تذهب إلى طريق مجهول، قد يصعب العودة منه مرة أخرى، كما حدث لبعض الدول المجاورة، ولكن قد أراد الله سبحانه وتعالى خيرا لمصر، وألهم شعبها العظيم بضرورة التخلص من الفاشية الدينية، وأن تبذل كل التضحيات من أجل استرداد معنى الدولة، ومن أجل الحفاظ على عناصرها، وطرد كل الأفكار المتطرفة من أرض الاعتدال، والتسامح.
قام الشعب المصري العظيم بـ ثورة 30 يونيو 2013؛ ليعلن للعالم أجمع أن مصر لا يمكن إطلاقًا أن تكون أرضًا للإرهابيين، والميليشيات، والمرتزقة؛ بل ستظل مصر أرضًا للحوار، والفكر المعتدل، والشرفاء، الذين يعرفون جيدا ما المقصود بشعب صاحب تاريخ وصاحب حضارة.
وإذا قيَّمنا بنظرة موضوعية، هذه الثورة بعد 11 عاما على قيامها، يمكننا القول، إن عبارة "ما له وما عليه"، أو "ما لها وما عليها" التي يستخدمها الجميع عند تقييم أي شيء، لا يمكن استخدامها كما هي دون تعديل؛ لأن ثورة الثلاثين من يونيو 2013، لها ولها الكثير والكثير؛ ولذلك فإن عبارة "ما لها وما لها" هي الأفضل والأنسب، وهي المعبرة بحق وبمصداقية عن الواقع الذي نعيشه الآن، بفضل هذه الثورة العظيمة المهداة من الله سبحانه وتعالى للمصريين.
وعندما أقول عبارة "ما لها وما لها" وليس عبارة "ما لها وما عليها"؛ يأتي هذا لأن ثورة ٣٠ يونيو لها عديد وعديد من المكاسب التي جناها الشعب المصري العظيم، ويمكنني التدليل على ذلك على النحو التالي:
أولًا: عودة الأمن والأمان والاستقرار لكل المناطق في الدولة المصرية، وقد آلت القيادة السياسية على نفسها أن تنقذ مصر وشعبها من الوقوع في براثن الفوضى، والتطرف، والإرهاب، وقد أعلنت أن من أهم حقوق الإنسان هو الحق في مكافحة الإرهاب.
ثانيًا: ميلاد الجمهورية الجديدة من رحم ثورة 30 يونيو 2013م، ولولا هذه الثورة ما كانت هناك جمهورية جديدة، بفكر جديد، وطريقة جديدة في التعاطي مع ملفات الدولة سواء قد كانت على المستوى الداخلي أو الخارجي. وقد لمس الجميع وبحق قيم هذه الجمهورية الجديدة من مصارحة، ومصداقية، وشفافية، في التعامل مع ملفات التعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية، والإسكان، والصناعة، والزراعة، وغير ذلك من الملفات، وخاصة ملف الأمن الغذائي.
ثالثا: إطلاق الأجندة الوطنية للتنمية المستدامة، وتحقيق الأهداف الثمانية التي جاءت في هذه الأجندة، ويأتي في مقدمتها جودة الحياة، وأن يتم توفير الحياة الكريمة للمصريين، ولذلك عملت الدولة على القضاء على العشوائيات، وتوفير سكن ملائم يليق بالمواطن المصري، كما أن القيادة السياسية قد أعلنت مبادرة حياة كريمة بتكلفة تجاوز 700 مليار جنيه، وقد تم تنفيذ المرحلة الأولى من هذه المبادرة بكل براعة، وإخلاص، لينعم المواطنون الذين يعيشون في القرى التي دخلت المبادرة بمراكز صحية على أعلى مستوى، ومراكز للشباب، ومدارس، وبنية تحتية، تضمن لسكان هذه القرى جودة الحياة بمعنى الكلمة.
رابعًا: تم سد الفجوات التنموية الجغرافية، فلم يعد هناك تهميشا لأي منطقة في مصر، فقد تم وضع الخطط لتنمية الصعيد، ولتنمية سيناء، وغيرهم من المناطق، بحيث تتحقق التنمية الشاملة في كل مكان.
خامسا: عودة المكانة والريادة لمصر، وقد أصبحت مصر من أهم دول الشرق الأوسط، التي لا يمكن الاستغناء عنها، وقد حدث ذلك؛ لأن من أهم أهداف ثورة الثلاثين من يونيو فيما يتعلق بالخارج، هو أن تتسم السياسة الخارجية المصرية بعدة مبادئ تؤكد على عدم التدخل في شئون الدول الداخلية، وعدم التعامل مع الميليشيات، وأن التعامل لا يكون إلا مع الجيوش الوطنية.
وفضلا عن هذا، فإن الشراكة والتعاون هما أساس التعامل مع الخارج، وليس مسموحا أو مقبولا أن تحاول دولة ما أيا كان حجمها، أن تفرض رؤية معينة على مصر، أو أن تجبرها على اتخاذ قرار معين!
وفي حقيقة الأمر؛ فإن ثورة الثلاثين من يونيو لها ولها أكثر مما سبق ذكره، فيكفي استرداد الوطن، واسترداد المفهوم الصحيح للدين، وأن كل الأديان تدعو إلى المحبة والتسامح والتعايش المشترك.
إن هذه الثورة العظيمة قد قضت على كل محاولات إثارة الفتنة الطائفية، وقد أعادت للأذهان ما حدث في ثورة 1919م، من تلاحم وطني غير مسبوق؛ حيث تذكرنا جميعا شعار "يحيا الهلال مع الصليب"؛ لأن ما حدث من ملايين المصريين في يوم الثلاثين من يونيو 2013م، قد برهن على هذا النسيج الواحد، وقد أكد للعالم كله مدى وعي المصريين، وحبهم، وانتمائهم، وولائهم، لبلدهم، وأن مصر ستبقى دائما بإذن الله أرض المحبة، والسلام.