الدكتور شحاتة غريب
وقد حدثت واقعتان خلال الأيام الماضية أعتبرهما من الأمور المهمة التي ساهمت في تغيير الحسابات السياسية بشأن الانتخابات الرئاسية المقبلة، وتمثلت الواقعة الأولى في المناظرة الكارثية التي تمت بين جو بايدن وترامب، حيث قد أكد حديث بايدن دون أدنى ريب أن هناك شكوكا حقيقية حول قدراته العقلية والذهنية والبدنية، ومدى أهليته للمنصب، ولم تكن هذه الشكوك حديث الجمهوريين المنافسين فقط، بل قد كانت أيضا حديث الديمقراطيين أنفسهم!.
وتمثلت الواقعة الثانية في محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي السابق ترامب أثناء مؤتمره في ولاية بنسلفانيا، حيث قد زادت شعبيته، وسط حالة كبيرة من الاستياء داخل كافة الأوساط السياسية، لأن الجميع يرفض وقوع مثل هذا النوع من الحوادث أثناء الجولات الانتخابية، لأن ذلك يهدد مسار الديمقراطية التي يتغنى بها الامريكيون، كما أن ذلك يهدد حالة الاستقرار السياسي التي تشهدها الولايات المتحدة الأمريكية.
وقد أدى حدوث هاتين الواقعتين إلى زيادة رصيد الجمهوريين في الشارع السياسي الأمريكي، وزيادة حظوظ ترامب وفرص وصوله إلى البيت الأبيض، بالإضافة إلى ما تعرضت له سياسات بايدن إلى الانتقاد من معظم الشعب الأمريكي، وخاصة شباب الجامعات الأمريكية، بسبب ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط، وما يتعرض له الشعب الفلسطيني من انتهاكات صارخة للقانون الدولي الإنساني، وهو ما يهدد مزاعم الولايات المتحدة الأمريكية بأنها حاملة لواء الدفاع عن حقوق الإنسان في العالم.
وترتيبا على كل ما سبق، زادت الضغوط داخل الحزب الديمقراطي على بايدن، كي ينسحب من سباق الانتخابات الرئاسية المقبلة، وضرورة البحث عن مرشح ديمقراطي بديل، يستطيع مواجهة ترامب، ومنافسته، حفاظا على مكانة الحزب الديمقراطي، وسمعته السياسية، وخاصة أن استمرار بايدن وهزيمته، لا تعني فقط خسارة الوصول إلى البيت الأبيض، ولكن قد تؤدي أيضا هذه الهزيمة إلى هزيمة أخرى كارثية في انتخابات مجلسي النواب والشيوخ.
وقد ذكر بعض المراقبين أن الرئيسين الأمريكيين السابقين كلينتون وأوباما قد شاركا في ممارسة الضغوط على بايدن للانسحاب من سباق الانتخابات الرئاسية، من أجل مصلحة الحزب الديمقراطي، وقد شارك أيضا بقوة في الضغط على بايدن معظم قيادات الحزب داخل مجلسي النواب والشيوخ، كما أن الداعمين ماليا للحزب قد أثاروا أيضا مسألة تنحي بايدن وانسحابه من السباق الرئاسي، وأن يحل محله بديلا قويا يحافظ على فرص سيطرة الحزب على البيت الأبيض.
لذلك، استجاب بايدن لكل هذه الضغوط، وقرر الانسحاب من السباق الرئاسي، وكان ذلك بمثابة الزلزال السياسي الذي هز الولايات المتحدة الأمريكية، كما وصف العديد من المحللين، لأنه يعد سابقة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية لم تحدث منذ عقود طويلة، ولم يكن قرار بايدن مفاجئا، بل قد كان متوقعا من كافة الأوساط السياسية سواء داخل الولايات المتحدة الأمريكية أو خارجها.
وفي حقيقة الأمر قد أحدث انسحاب بايدن ما يسمى باللخبطة السياسية في الشارع الأمريكي، وسيتأثر بهذا الانسحاب الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، كما أن الشعب الأمريكي نفسه قد يتأثر بعواقب ما بعد قرار الانسحاب، وأثره على السياسة الأمريكية، وما يترتب على ذلك من آثار قد تمس الشعب، وحالة الاستقرار في كافة الولايات الأمريكية.
فمن ناحية الجمهوريين، قد لا يستفيد مرشحهم ترامب كثيرا من انسحاب بايدن، لأن فرص ترامب في النجاح قد كانت معتمدة في المقام الأول على الهجوم الشخصي على بايدن، وأنه غير مؤهل لتولى منصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما ذكره ترامب مرارا وتكرارا، وأن بايدن قد حصل على المنصب بالأكاذيب، كما أن ترامب قد ذكر أن بايدن هو أسوأ رئيس في تاريخ البلاد.
وفي ظل كل هذه الرؤى تجاه بايدن، ماذا سيفعل الجمهوريون ومرشحهم ترامب تجاه المرشح البديل لجو بايدن؟! وهل سيتمكن ترامب من الحفاظ على فرص نجاحه، وخاصة أن كل تركيزه بخصوص انتقاد بايدن لم يكن منصبا على اعتبارات موضوعية تتعلق ببرنامج الديمقراطيين، ولكن قد اهتم أكثر بالجانب الشخصي في حياة بايدن؟!.
ومن ناحية الديمقراطيين، لقد تسبب بلا شك انسحاب بايدن المتأخر في حدوث أزمة داخل الحزب الديمقراطي، بسبب البحث عن المرشح البديل، وخاصة أن الوقت قد لا يسعف في اتباع كل الإجراءات المعتادة لاختيار مرشح الحزب، وإذا كان جو بايدن قد أعلن تأبيده لترشيح كامالا هاريس بدلا منه، فهل سيوافق الديمقراطيون على ذلك؟ وهل ستكون هاريس قادرة على مواجهة ترامب، وخاصة في ظل الحرب النفسية التي أعلنها الأخير، بأن الفوز على هاريس سيكون سهلا؟!.
وأما من ناحية الشعب الأمريكي، أعتقد أن هناك حالة من الخوف تسود معظم الشعب على مستقبل السياسة في الولايات المتحدة الأمريكية، وإمكانية أن يتحول الصراع بين الجمهوريين والديمقراطيين من صراع سياسي إلى صراع وجود، وقد يترتب على ذلك سيادة حالة من الفوضى في المجتمع الأمريكي، مما قد يؤدي إلى حدوث مخاوف مشروعه على مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي الواقع، ما تشهده حاليا الولايات المتحدة الأمريكية لم يحدث من قبل، وأصبحت سياسة العمل المؤسسي والموضوعي غائبة عن المشهد، حيث قد حلت محلها سياسة الهجوم على الخصوصية والحياة الشخصية، وعدم نقد البرامج التي يضعها حزب معين لخوض الانتخابات، وهو ما يأخذنا خلال الفترة المقبلة إلى منعطف خطير يتعلق بالحياة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية.