البث المباشر الراديو 9090
الدكتور شحاتة غريب
وقعت مصر خلال اليومين الماضيين بروتوكولًا للتعاون العسكري مع الصومال، وتناولت هذا الخبر معظم وسائل الإعلام الوطنية والإقليمية والدولية، لما يحظى به من أهمية خاصة، تتعلق بكل ما يحدث في المنطقة بصفة عامة، وفي منطقة البحر الأحمر بصفة خاصة، وقد تساءل معظم المتابعين والمراقبين عن توقيت توقيع هذا البروتوكول، وهل له علاقة بما يحدث في أرض الصومال، واتفاقها في يناير الماضي مع إثيوبيا؟ وما مدى تأثير ذلك على الأمن القومي المصري؟

تِلكُم عدة تساؤلات مهمة تفرض نفسها على الساحة السياسية والاستراتيجية في المنطقة، كما أن الأمر يتعلق بالأمن القومي المصري، وخاصة أن المحاولات المستمرة لقادة أرض الصومال نحو الاعتراف بدولتهم، وعدم اعتبارها جزءا من جمهورية الصومال، لا تتوقف، حتى لو كان ذلك على حساب الأمن القومي لبعض الدول، كما أن أديس أبابا تعتبر أن الوصول إلى البحر يعتبر قضية وجودية بالنسبة لها، وأن ذلك لا يمكن أن يحدث إلا عن طريق أرض الصومال، حتى لو تم وعدها بالاعتراف بها كدولة مستقلة، بغض النظر عن وحدة الصومال، وبغض النظر أيضا عن مدى مساس ذلك بأمن المنطقة بصفة عامة، وبالأمن القومي المصري بصفة خاصة!

ووقعت إثيوبيا مذكرة تفاهم مع أرض الصومال ضاربة بعرض الحائط مدى تأثير ذلك على العلاقات الإثيوبية الصومالية، حيث لم تلجأ أديس أبابا إلى مقديشو في هذا الأمر، وأعتقد أنها لن تعود إلى السلطات الصومالية للحصول على موافقتها، لأنها تعلم جيدا أن الصومال لن تفرط في وحدتها، ولن تسمح باستقلال أرض الصومال، ولن تقبل أي اتفاق أيا كان نوعه تبرمه مع أي دولة، لأن في ذلك مساسا خطيرا بأمنها واستقرارها وسلامة أراضيها.

وقد وصف آبي أحمد اتفاق إثيوبيا مع أرض الصومال بالتاريخي، نظرا لأن هذا الاتفاق يسمح لإثيوبيا بإمكانية الوصول إلى البحر، والسيطرة لمدة خمسين عاما على عشرين كيلو متر حول ميناء بربرة على خليج عدن، ولا شك أن ذلك سيتيح لإثيوبيا إمكانية أن يكون لها تأثيرا في منطقة البحر الأحمر.

ولذلك رفضت الصومال مذكرة التفاهم التي وقعتها أرض الصومال مع أديس أبابا، وأعلن الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال قبول هذا الأمر، لما فيه من اعتداء سافر على وحدة الصومال، وأن ابرام هذه المذكرة يعد عملا من أعمال العدوان، وسيتم مواجهته بكل الوسائل، وقام الرئيس الصومالي بالتوقيع على قانون يلغي بمقتضاه الاتفاق الذي تم بين إثيوبيا وأرض الصومال.

وقد لجأ الرئيس حسن شيخ محمود إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، وزار مع وفد رفيع المستوى، القاهرة، ليُطلع القيادة السياسية المصرية على حقائق ما يحدث في أرض الصومال، والنوايا الإثيوبية بخصوص أمن المنطقة، وما يترتب على تحركات أديس أبابا من مخاطر تتعلق بالأمن الإقليمي، وأن ذلك سيؤدي إلى مزيد من اشتعال منطقة البحر الأحمر، وجعلها منطقة صراعات، لا سيما أن معظم الدول قد عملت على زيادة وجودها العسكري، مما قد يترتب عليه إمكانية حدوث حرب شاملة، تقضي على الأخضر واليابس في المنطقة!

ولا ريب أن المحاولات الإثيوبية في أرض الصومال، ومحاولة سيطرة أديس أبابا على ميناء بربرة، لا يمكن أن يمر مرور الكرام، لما فيه من مساس مباشر بالأمن القومي المصري، وأن القاهرة لن تسمح بانتهاك وحدة الصومال، واستغلال منطقة أرض الصومال، لعقد الصفقات بها، ضد أمن مصر، واستقرارها، كما أن القاهرة ستقدم كل الدعم لمقديشو، ولن تتركها، وستقف معها للحفاظ على سلامتها برا وبحرا وجوا.

ولذلك، وقعت مصر بروتوكولا للتعاون العسكري مع الصومال، يسمح للقوات المسلحة المصرية بالتواجد في الصومال، لتقديم العون، والدعم، في مجالات التدريب العسكري، وغيرها من المهارات العسكرية والاستراتيجية، للحفاظ على وحدة الصومال، ومساعدته في مواجهة العمليات الإرهابية التي يتعرض لها.

وقد أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي، أن مصر لن تتخلى عن الصومال، وأن أمن واستقرار الصومال لا يمكن تهديده، وأن مصر لا تتدخل في شئون الدول، وتدعم حق أي دولة في تحقيق التنمية.

ولعل ما جاء في المؤتمر الصحفي الذي تم بين الرئيس عبد الفتاح السيسي، والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، يؤكد بوضوح أن مصر قادرة على الحفاظ عن أمنها القومي، وأن سياسة مصر الخارجية تتمثل في تقدير كل شعوب المنطقة، وتحقيق تطلعاتهم نحو التنمية الشاملة، وأن الضابط الوحيد الذي يحكم كل ذلك، هو عدم محاولة التفكير في المساس بالأمن القومي المصري.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز