البث المباشر الراديو 9090
الدكتور شحاتة غريب
نستيقظ صباح كل يوم على عدة تصريحات غريبة وغير مسئولة من قبل قادة أمريكا وإسرائيل وإيران، وبعض الموالين لهم، وكلها تتعلق بالوضع الراهن الذي تعيشه غزة، وضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، وأن تكون الحلول السلمية هي خير الوسائل لوقف نزيف الدماء، وعدم تصعيد الصراع، واتساع دائرته، واشتعال الموقف في المنطقة برمتها.

ولكن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا الإطار: هل يريد فعلا قادة هذه الدول ومن يواليهم في المنطقة وقف الحرب، وعدم تفاقم الأحداث، وتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط بصفة عامة، وفي قطاع غزة بصفة خاصة؟!

أعتقد أن أمريكا وإسرائيل وإيران ومن يساندهم في المنطقة تقع عليهم المسئولية الكاملة تجاه كل ما يحدث في الشرق الأوسط، وعلى وجه الخصوص تحمل المسئولية عن المأساة التي يعاني منها الشعب الفلسطيني، فلم تستطيع واشنطن وقف يد تل أبيب عن بطش قادتها في غزة، ولم يتمكن جو بايدن من السيطرة على تصرفات نتنياهو العدوانية، ولم يمنعه من ارتكاب الجرائم ضد الفلسطينيين.

كما أن إيران لم تقدم للقضية الفلسطينية ما يستحق ذكره، ولم تساعد بشكل يتصف بالحكمة قادة غزة من أجل الوصول إلى هدنة حقيقية، ولم نر موقفا حاسما أو ضربة قاضية ضد الكيان الصهيوني، وكل ما في الأمر مجرد تصريحات عنترية ضد إسرائيل، وفي كل مرة لا نرى سوى مشاهد متكررة لمسرحية خائبة يفهم أهدافها أقل الناس اهتماما بالشأن السياسي!.


وخير دليل على ما أذكره، ما حدث خلال الأسابيع الماضية عندما أطلقت ايران عدة صواريخ تجاه إسرائيل، لم تحقق أي هدف استراتيجي من الأهداف التي تتباهى قادتها بالعمل على تحقيقها، وهو ما لم يحدث، ولن يحدث، لأن الأمر بعيد كل البعد عن التطلعات التي تسعى اليها كل شعوب المنطقة، والوصول بالقضية الفلسطينية الى بر الأمان، وتحقيق حلم الشعب الفلسطيني في إقامة دولته وعاصمتها القدس الشرقية!


ولعلنا نتساءل: ماذا فعلت أمريكا وإيران منذ نشوب أحداث السابع من أكتوبر الماضي؟!، هل عمل قادة الدولتين على عدم نقل الصراع إلى مناطق أخرى، بالإضافة إلى ما يحدث في غزة؟!


أبادر الإجابة بالنفي، لأن إيران عملت على توسيع دائرة الصراع، من خلال استغلال يدها في اليمن، وهم الحوثيون، وتحريضهم على إحداث بلبلة، وعدم استقرار في منطقة البحر الأحمر، وتهديد حركة الملاحة البحرية، مما أدى إلى استغلال أمريكا وحلفائها للموقف، واتجهت القوات الأمريكية بأقوى أساطيلها وحاملات الطائرات إلى البحر الأحمر، لتتمركز فيه بحجة الدفاع عن الملاحة البحرية، وما تتعرض له السفن العابرة من تهديدات مباشرة، تتطلب تكاتف المجتمع الدولي ضد حركة الحوثيين، وضد ايران التي تدعمهم عسكريا!.


والسؤال هنا: هل قدم الحوثيون حقيقة ما يخدم القضية الفلسطينية، وما يحدث حاليا في قطاع غزة؟، أعتقد أن ما فعله الحوثيون قد أضر بالقضية وبحقوق الشعب الفلسطيني ضررا بليغا، وقد استغلت إسرائيل كل ذلك لصالحها، وكسب تعاطف المجتمع الدولي معها، في ظل التهديدات التي تتعرض لها من كل اتجاه، كما أن إسرائيل قد استطاعت أن تعزز من فكرة أمنها القومي، وما يتعرض له من مخاطر حقيقية من كل اتجاه، وخاصة في ظل اشتعال الموقف أيضا في الساحة اللبنانية، وما يدور من اشتباكات عنيفة بين حزب الله الموالي لإيران وإسرائيل!.


ومن ثم نجد الصراع لم يعد محصورا في قطاع غزة فقط، بل قد امتد لمناطق أخرى، قد يأخذ المنطقة برمتها إلى منعطف خطير، وقد أصبح شعار إقامة القواعد العسكرية، والحشد العسكري، هو السائد في المنطقة، مما قد يأخذها بأكملها الى حافة البركان، الذي يمكن أن ينفجر في أي لحظة، ويقضي على كل مقدرات الوطن!.


وهذا هو ما حذرت منه القيادة السياسية المصرية مرارا وتكرارا منذ اندلاع الحرب في غزة في السابع من أكتوبر الماضي، ولم يتوانى الرئيس عبدالفتاح السيسي لحظة واحدة عن أداء دوره الوطني، من أجل الحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني، وحماية الأمن القومي المصري، ورفض كل سلوكيات إسرائيل الاجرامية، وأن ما يفعله الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة يشكل جرائم حرب تتطلب محاكمة قادة إسرائيل عن ارتكابها!.


والغريب في الأمر، ورغم كل ما تفعله مصر من أجل القضية الفلسطينية، نجد بعض التصريحات غير المسئولة، التي تقول بأن مصر قادرة على وقف الحرب في غزة، وأن مصر قادرة على دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، وأن مصر قادرة في لحظة على وقف المجازر التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، وأن مصر هي التي وقعت على كامب ديفيد، وتركت محور فيلادلفيا، وأن مصر هي المسئولة عن قطاع غزة، وغير ذلك من العبارات التي لا أساس لها من الصحة، وتحمل بين ثناياها عدة اسقاطات سياسية غير مقبولة، وليس لها إلا معنا واحدا هو تشكيك الشعوب العربية بصفة عامة والشعب المصري بصفة خاصة في موقف مصر والقيادة السياسية تجاه ما يحدث في غزة.


ولا أدري ما المقصود بهذه التصريحات وما الهدف منها؟، ولماذا هذه التصريحات في هذا التوقيت؟، وماذا تقصد بعض الدول وبعض الحركات من الزج باسم مصر في بعض الجمل غير المفيدة، رغم كل مفيد تقدمه مصر للقضية الفلسطينية منذ سنوات عديدة!.


وفي الواقع كنت أتمنى أن تكون معظم التصريحات عن كيفية لم الشمل الفلسطيني، وكيفية تحقيق الهدنة من أجل الأبرياء المدنيين، وكيفية وقف اتساع دائرة الصراع، وكنت أتمنى أن تعيد إيران النظر حول كيفية استعادة أمنها القومي، الذي فقدته بفعل فاعل، ولم تتمكن من وقف سلسلة الاغتيالات المتتالية التي تتم للقادة في عقر دارها، وكأننا في دولة بلا حدود وبلا سيادة.


وعلى النقيض من التصريحات الخيالية التي لا تخدم الأمن والاستقرار في المنطقة، نجد القيادة السياسية المصرية تصرح وتؤكد في كل مرة على ضرورة وقف الحرب على الفور، وأن تخرج القوات الإسرائيلية من قطاع غزة، وهو ما أكده الرئيس عبدالفتاح السيسي منذ يومين عند زيارة وفد الكونجرس الأمريكي للقاهرة، حيث قد تم التأكيد على ضرورة انسحاب الجيش الإسرائيلي من محور فيلادلفيا ومن كل قطاع غزة، وحماية حقوق الشعب الفلسطيني، وأن تخضع إسرائيل لنداء المجتمع الدولي بضرورة الوقف الفوري لكل الجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية.


وجدير بالذكر أن ثوابت السياسة المصرية بشأن القضية الفلسطينية بصفة خاصة، وتحقيق الاستقرار في المنطقة بصفة عامة، لا يمكن أن تتغير، وأن مصر لم ولن تترك الشعب الفلسطيني حتى يحصل على كامل حقوقه المشروعة، كما أن مصر لن تفرط في أمنها القومي، أو أمن المنطقة، ويمكنها اتخاذ ما تشاء من إجراءات في حالة محاولة المساس بهذا الأمن.


وعليه، يجب الانصات جيدا للرأي المصري، وأن تدرك دول المنطقة أن صوت مصر هو صوت الحكمة، والعقل، وأن مصر لا تريد سوى إنقاذ المنطقة من حرب واسعة، قد تدمر مقدرات الشعوب وخيراتهم، ولا ينبغي بأي حال من الأحوال السماع لأي صوت يبحث عن عنترية زائفة، وأن يكون الشغل الشاغل لكل دول المنطقة هو عدم اتساع دائرة الصراع، والبحث عن انتصار القضية، ومجد فلسطين، وليس البحث عن المجد الشخصي.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز