البث المباشر الراديو 9090
الدكتور شحاتة غريب
شهدت المملكة العربية السعودية، خلال الأيام القليلة الماضية، انعقاد القمة العربية الإسلامية، بحضور قادة وزعماء العالمين العربي والإسلامي، والأمين العام لجامعة الدول العربية، والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي.

وتعد هذه القمة، غير العادية، ضرورية للغاية، وتمت في وقتها؛ بسبب العدوان الإسرائيلي الغاشم المستمر على فلسطين ولبنان، فلا يزال الصهاينة يستبيحون دماء العرب في غزة، وبيروت، في ظل صمت مخجل، وعجز فادح من المجتمع الدولي عن القيام بالحد الأدنى لواجباته، على حسب ما جاء في خطاب الرئيس عبدالفتاح السيسي، في هذه القمة.

وفي حقيقة الأمر، منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023، وارتكاب الجيش الإسرائيلي للمجازر بحق الشعب الفلسطيني، ومن بعده الشعب اللبناني، فإن الشغل الشاغل لحديث أي مواطن شريف هو غياب المنظمة الدولية، وتواطؤ الإدارة الأمريكية، والبريطانية، وانحيازهم الكامل للكيان الصهيوني، على حساب الأبرياء المدنيين من الشعبين الفلسطيني واللبناني.

ولذلك؛ كان الرئيس عبد الفتاح السيسي، مُحقًا في كلمته عندما قال إن جميع المواطنين وأصحاب الضمير يتساءلون عن جدوى أي حديث عن العدالة والإنصاف، من قبل الدول الكبرى، والمنظمات الدولية، ولعل هذه العبارة تؤكد أن النظام الدولي بوضعه الحالي لم يستطع إجبار إسرائيل على وقف إطلاق النار، وردعها، ومحاسبتها على جرائمها الوحشية ضد الفلسطينيين واللبنانيين.

وعجز النظام الدولي لم يقتصر فقط على مواجهة ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط؛ بل قد فشل أيضًا، في إنهاء الحرب «الروسية - الأوكرانية»، التي أثرت سلبًا على كل اقتصاديات دول العالم، كما يمكننا في هذا الصدد أن نشير إلى أن هناك بعض الدول الكبرى وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا لا تريد إنهاء هذه الحرب، بل تعمل ولا تزال تعمل على تأجيج الصراع، وتهديد السلم والأمن الدوليين.

ولا يُمكن - بأي حال من الأحوال - للنظام الدولي بوضعه الحالي أن يستمر، إلا إذا غَيَّر قواعد التعاطي مع الملفات والقضايا المصيرية، كالقضية الفلسطينية على سبيل المثال، لأن الشعبين الفلسطيني والعربي لن يقبلا إلا بالحق في تقرير المصير، والحفاظ على الطابع العربي للقدس المحتلة، وعدم بناء المستوطنات، وعدم اتباع سياسة التغيير الديموغرافي لفلسطين، بهدف تهويدها، وتهيئة المناخ للكيان الصهيوني بالسيطرة عليها!

ولا ريب أن مصر قد أعلنتها مرارا وتكرارا بأن القضية الفلسطينية لا يمكن تصفيتها، وغير مقبول تهجير سكان قطاع غزة، ويجب معاقبة وحساب كل من يرتكب القتل الممنهج للأبرياء الفلسطينيين، كما لا يمكن السماح إطلاقا بتحويل قطاع غزة إلى مكان غير قابل للحياة.

ولا يمكن أن يتحقق السلام العالمي إلا بإقامة الدولة الفلسطينية على حدود يونيو 1967، وهو ما أكده الرئيس عبدالفتاح السيسي، في القمة غير العادية للدول العربية والإسلامية، وأن إسرائيل إذا لم تتوقف عن جرائمها الوحشية بحق الفلسطينيين، فإن استقرار المنطقة سيكون على المحك، ولن تقبل الشعوب العربية والإسلامية بهذا الوضع؛ مما قد يؤدي إلى اشتعال الأحداث في الوطن بأكمله، ووقتها لن يتمكن النظام العالمي من المواجهة، ويمكن أن نعود إلى نقطة الصفر، كما كان الوضع قبل صياغة ميثاق الأمم المتحدة!

ولم يتناول الخطاب المصري الحديث عن دعم مصر وتضامنها الكامل مع فلسطين فقط؛ بل قد أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسي، بأن مصر ملتزمة بدعم لبنان، والجيش اللبناني الوطني، وضرورة وقف إطلاق النار على الفور، وأن يتم تنفيذ القرار 1701، وأن يقوم المجتمع الدولي بدوره المنشود لتوفير البيئة المواتية لاحترام القرارات الدولية.

وما يلفت الانتباه بقوة في الخطاب المصري في قمة السعودية غير العادية، ما وجهه الرئيس عبد الفتاح السيسي، لزعماء العالم، بأن مصر قد تحملت مسار السلام، وحافظت عليه، ولا تزال متمسكة به كخيار استراتيجي، وأن الأمل لا يزال موجودًا، لإنقاذ المنطقة والأجيال القادمة من ويلات الحروب والصراعات.

وهنا، أرى أن الخطاب المصري يحوي بين طياته ما لم يتم الإفصاح عنه، فإذا كانت مصر متمسكة بالسلام كخيار استراتيجي، إلا أنه، ليس مقبولا على الإطلاق، محاولة التفكير في المساس بالأمن القومي المصري والعربي، فإذا كان الكيان الصهيوني يعتقد أن تصفية القضية الفلسطينية وتهجير سكان غزة هو الحل لتحقيق أطماعه التوسعية؛ فإن مصر ستقف في مواجهة ذلك بالمرصاد، وأن أي محاولة للمساس بأمن مصر واستقرارها، وأمن الوطن، لن يمنع من قمعها أي معاهدة، أو اتفاقية!

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز