د. غادة جابر
«القشة التي قسمت ظهر البعير»، مثل عربي، يحكي عن أن رجل كان لديه جمل، فأراد أن يسافر إلى بلده، فحمل متاعًا كثيرة فوق ظهر الجمل، يفوق تحمله، حتى بدأ الجمل يهتز من ثقل ما يحمل من متاع كثيرة، ولكن صاحبه لم يهتم، فحمل على ظهره حزمة من القش، وقال هذه خفيفة، وهي أخر المتاع، فما كان من الجمل إلا أن سقط أرضًا، فتعجب الناس وقالوا «قشة قسمت ظهر البعير».
«الغريق يتعلق بقشة»، يصف المثل الغريق، الذى وجد نفسه في بحر تتلاطم أمواجه، فلم يستطع العوم، ولم يجد قارب نجاة، قام بالصراخ ولم يجد مُجيب، وفي محاولته لعدم الاستسلام للموت، والعثور على طريق للنجاة، وجد قشة، فتمسك بها، ظنًا منه أنها قد تكون مُنجية، وهو مثل يُعرب عن الأمل حتى ولو كان ضئيل، لم يكن هناك أضعف من القشة التي يتعلق بها الغريق».
وبين الخوف من السقوط والأمل في النجاة، يعود الرئيس دونالد ترامب، لرئاسة الولايات المتحدة مرة أخرى، الرجل الذى أُطلق عليه في بعض القنوات الإعلامية، الرئيس «القديم الجديد»، ولأن رئيس أكبر دولة في العالم حتى الآن هو رئيس قديم على كل الأنظمة وشعوب العالم، ورئيس جديد على ما يحدث من صراعات مُسلحة وحروب في دول العالم شرقًا وغربًا، عاد الرئيس «القديم الجديد» والأرض تضج صراخًا، من شدة سخونتها بسبب الأحداث العدائية والحروب بالوكالة، التي دعمتها بقوة الإدارة الديمقراطية للرئيس جو بايدن، والذي يتبقى على عهدة أيام، ليأتي ترامب ليتصدر الأحداث والقرارات المصيرية، التي تأخذ هذا العالم، إما لسلام وإما لحرب عالمية ثالثة، كما نوه هو بنفسه، الرئيس المنتخب دونالد ترامب، في خطبه الانتخابية، بأن العالم سيواجه حرب عالمية ثالثة، ولكنه سيأتي بالحل في حال فوزه بالانتخابات ليعود السلام للعالم مرة أخرى.
في مقالي السابق بـ«مبتدا»، وقد كنا في انتظار نتائج الانتخابات الأمريكية، ذكرتُ أنها انتخابات عالم متأرجح، وليس فقط الولايات المتأرجحة، بل عالم متأرجح بين السقوط، الذي بات قريبًا جدًا بسبب سخونة وتصعيد الأحداث والحروب، وبين محاولاتة التي باءت معظمها بالفشل ليهدأ هذا العالم.
وظهرت لنا وجوه بالفعل تعمل على هدم هذا العالم برمته، وكأنها تحاول أن تجعل الكرة الأرضية مجرد أنقاض، ليعيد بنائها شخوص بعينهم من جديد، أمثال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، ورئيس الولايات المتحدة المنسحب من الانتخابات الأمريكية الأخيرة، جو بايدن.
ورغم أن هناك دول أخرى عظمى، يؤرق تواجدها الولايات المتحدة، تخوفًا من أن تقود العالم، مثل الصين وروسيا، إلا أن تواجدهما حتى هذه اللحظة، تواجد ساعي للتنمية والازدهار الاقتصادي، والدفاع عن نفسها للحفاظ على أرضها وقوتها العسكرية، دون التصريح أو حتى المحاولة لهيمنة يسودها الصراع الدائم وحروب الوكالة من أجل البقاء مثلما تفعل دائمًا الولايات المتحدة الأمريكية.
وعن الحرب الدائرة بين أوكرانيا وروسيا منذ أكثر من عامين، فهي حرب انجرت إليها روسيا لتحارب دول حلف الناتو والولايات المتحدة، وتقوم بهذا الدور أوكرانيا بالوكالة عنهم، وأعرب الرئيس فلاديمير بوتين، عن عقيدته النووية، والتي كشف عنها للعالم، بأن المساس بالأراضي الروسية مستحيلًا، ولا يمنع أن يستخدم السلاح النووى في مقابل الحفاظ على الأرض الروسية هذا الرئيس الذي لديه إيمانًا صوفيًا بروسيا الاتحادية» كما وصفه هنرى كسنجر، السياسي الأمريكي المُخضرم، خصوصًا بعد أن صرح الرئيس بايدن، للرئيس فلاديمير زيلينسكي، بأن يستخدم السلاح الأمريكي «صواريخ بعيدة المدى» لضرب العمق الروسي، شرط أنه لم يصرح بذلك إلا بعد فوز ترامب في الانتخابات الأمريكية، وكأنه يريد أن يهد العالم قبل أن يتركه، بعد أن صرحت عدد من الصحف و المواقع، عن العلاقة الغير عدائية بين الرئيسين بوتين وترامب، ووعده الأول، بأن تنتهي حرب روسيا وأوكرانيا بمجرد اعتلائة البيت الأبيض، فيرى ترامب أن تمويل أوكرانيا في هذه الحرب خسارة كبيرة للاقتصاد الأمريكي، بل يرى أن تمويل حلف الناتو خسارة فادحة لا جدوى منها للولايات المتحدة الأمريكية.
وعلى الصعيد الأخر، في محاولة من بنيامين نتنياهو، أن يمدد الحرب القائمة بالفعل في الشرق الأوسط وأن يكون لها عدة جبهات، فشن الحرب على لبنان، مع استمرار عدوانه على غزة، وفتح جبهات للحرب في سوريا و العراق واليمن، يريد شرق أوسط على كتلة من النار، لا تنطفئ أبدًا، إلا برحيل نتنياهو، في الوقت الذى وعد فيه الرئيس ترامب، بأن تنتهي أيضًا الحرب في الشرق الأوسط، رغم أن نتنياهو فرح وأعلن فوزه بعودة ترامب، هذا الرئيس الداعم الأول للكيان الإسرائيلي، والذى شجع في ولايته الأولى لأمريكا على التوسع الاستيطاني في الأراضي المُحتلة، لكن ترامب «البراجماتي الاقتصادي»، لن يدعم إسرائيل كل هذا الدعم المُطلق ليستمر نتنياهو في حربه بالشرق الأوسط، ربما يكون لديه حلول أخرى، رامية للسلام وتحقيق أهداف إسرئيلية، مرضية للولبي الصهيوني، لكي لا يكون غير معاد للسامية.
وتأتي العقوبات الأمريكية، في حربها الاقتصادية على الصين، وحربها المُسلحة على إيران، في سياق القضايا المستمرة والمتصاعدة بين الأُمم من أجل البقاء، وفرض الهيمنة الأمريكية دون غيرها على هذا العالم، الأُحادى القطبية، الذي أثبت فشله ووحشيته وأفعاله المشينة، التي هدمت القيم والقوانين والمؤسسات الأُممية، وحقوق الإنسان، وحق تقرير المصير، وأصبح البقاء للأقوى، والإرهاب صفة تلتصق بالأضعف بين الأُمم.
يحكي القديس أوغسطيس قصة قرصان أسرة الأسكندر الأكبر، والذي سأله «كيف تجرؤ على الاعتداء على الناس في البحار؟»، فأجاب القرصان «وكيف تجرؤ أنت على الاعتداء على العالم بأسره؟، إنني أقوم بذلك بسفينة صغيرة فحسب أدعي لصًا، أما أنت ولأنك تقوم بنفس الشئ بأسطول كبير فيدعونك إمبراطور!»، رغم أن ميثاق الأُمم المتحدة يعطي حق تقرير المصير للشعوب، وشرعية للمقاومة في حالة وجود احتلال، إلا أن جنون السُلطة واستباحة الحق المسلوب، مستمرين في عالم ضرب بالقوانين الدولية عرض الحائط.
في ظل هذا التخبط والتضارب وازدواجية المعايير، يقع العالم بين توقعين لا ثالث لها، بعد عودة ترامب، إما يكون له اليد في استمرار انفجار حروب متعددة تأخذنا لحرب عالمية ثالثة فيكون «القشة التي قسمت ظهر البعير»، أو يعمل على حلحلة القضايا الراهنة، ربما لن تكون جميعها حلول عادلة، ولكن تنجينا من التهلُكة والنار المشتعلة، فيكون «القشة التي يتعلق بها الغريق».