د. علي عبد الراضي
هذه الرحلة، لا تقتصر على لحظات العبادة فحسب؛ بل تمتد لتشمل كل ثانية من حياتنا، سواء كانت سعيدة أو حزينة، حسنة أو سيئة، فالله سبحانه وتعالى يُحاسبنا على أدق التفاصيل، على النقير والقطمير؛ بل وأدق من ذلك.
وفي هذا الطريق، نحن بحاجة ماسة إلى زاد يعيننا على طول السفر؛ ذلك الزاد يكمن في الانتقال المُستمر من دوامة الذنوب والمعاصي إلى فسحة الطاعة والعبادة. نحتاج إلى أعمال تُنعش الروح، تبث فيها الأمل، وتمنحها القوة لمواصلة السير في هذه الرحلة المُباركة.
ولا زادَ أعظم من التوبة، والإنابة، إنهما مُفتاح الفرج الروحي في رحلة المُسافر إلى الله، حتى لو كثرت الذنوب وتراكمت؛ بل حتى لو أذنب الإنسان مليارات الذنوب يوميًا، فإن الله يغفرها جميعًا بشرط الندم عليها، والإصرار على مفارقتها، والاستغفار بعزمٍ صادقٍ على عدم العودة إليها، وإن عاد المرء إليها رغمًا عنه، ثم كرَّر التوبة بصدق، فإن الله يغفر مرة أخرى، فهو أرحم الراحمين.
لكنَّ المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تقول النفس: "لن أتمكن من الإقلاع عن هذا الذنب أبدًا"، "أنا أضعف من أن أقاومه".. "الأمر مُستحيل!".
هذه الأفكار ليست سوى حجج من الشيطان، ومن ضعف الإيمان، من يؤمن بالله، العظيم، القادر على كل شيء، يعلم يقينًا أنه قادر على تخليصه من أي ذنب، مهما عظم، وأن الله يُعين من استعان به.
ثلاث مراحل للسير نحو الله
للتغلب على الذنوب والمعاصي، ولتكملة الرحلة الروحية بأمان، لا بد من المرور بثلاث مراحل متتالية:
أولًا- الالتزام بالطاعة
الطاعة هي الأساس، ابدأ بفعل ما يأمرك به دينك من فروض ونوافل، وداوم عليها مهما كانت حالتك، حتى لو كنت على ذنب مُستمر، الطاعة ستُضيء طريقك رويدًا رويدًا.
ثانيًا- المُناجاة
المُناجاة، هي حديثك الخاص مع الله، أخصّ من الدعاء، تحدث معه بخفاء، واشكُ له ضعفك، وعجزك عن ترك الذنب، اعترف له بتقصيرك، واطلب منه العون على الإقلاع عنه. كرِّر هذه المُناجاة يوميًا، كلما سنحت لك الفرصة، وخاصة في أوقات فراغك وهدوءك.
ثالثًا- استشعار مراقبة الله
ازرع في قلبك يقينًا عميقًا بأن الله يراك دائمًا، يرى أعمالك، يسمع أفكارك، ويعلم ما يدور في قلبك من نوايا، كيف تتحمل أن يراك الله على معصية؟! كيف ستقف بين يديه يوم القيامة؟! هذا الاستشعار سيدفعك تدريجيًا للخجل من الله، والابتعاد عن الذنب حياءً منه.
هذه المراحل ليست مُجرد خطوات تُنفذ دفعة واحدة، ابدأ بالأولى، وحافظ عليها حتى تصبح جزءًا من حياتك، ثم انتقل للثانية دون ترك ما سبق.
وأخيرًا، اعمل على الثالثة حتى تجد نفسك قد وصلت إلى حالة من السلام الداخلي، وقد أعانك الله بفضله على الإقلاع عن الذنوب، وأدخلك حصن الطاعة والإنابة.
ختامًا..
رحلتنا الروحية إلى الله هي سر حياتنا، وهي التي تُحدد مآلنا في الآخرة، لذا، اجعل زادك التوبة، وراحلتك الاستغفار، ورفيقك الدعاء والمُناجاة.
سر بخطوات ثابتة، واطلب العون من الله في كل مرحلة، فهو الكريم الذي لا يرد عباده، بل يفرح بتوبتهم، ويغفر لهم مهما عظمت خطاياهم.